مشاريع معلنة تشغل انتظارات المواطنين: النقل والصحة في قلب الرهان التنموي
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
تمثل المشاريع العمومية أحد أبرز التفاصيل اليومية التي تحدد جودة حياة المواطنين. فالطريق التي تختصر ساعات التنقل، والمستشفى الذي يوفر العلاج بالقرب من محل السكن، والقطار الذي يصل في موعده، كلها مؤشرات حقيقية على مدى قدرة الدولة على تحويل الخطط والوعود إلى واقع ملموس.
وفي هذا السياق، خُصص مجلس وزاري مضيق أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري أول أمس الخميس لمتابعة نسق تنفيذ البرامج والمشاريع العمومية في مختلف القطاعات، مع التشديد على ضرورة التسريع في الإنجاز وتذليل العراقيل الإدارية والفنية التي عطلت العديد من المشاريع خلال السنوات الماضية.
ورغم تنوع الملفات المطروحة والتي تم عرضها، برزت ملفات الصحة والنقل باعتبارها من أكثر القطاعات ارتباطا بالحياة اليومية للتونسيين، ومن أكثر المجالات التي راكمت انتظارات كبيرة لدى المواطنين في مختلف الجهات.
الصحة…جوهر العدالة الاجتماعية
لا يكاد يختلف اثنان في تونس على أن الحق في العلاج أصبح من أبرز التحديات المطروحة أمام الدولة. فالفوارق الصحية بين المناطق الساحلية والداخلية ظلت لعقود أحد أبرز مظاهر التفاوت التنموي، حيث يضطر آلاف المرضى إلى قطع عشرات أو مئات الكيلومترات للوصول إلى مستشفى جامعي أو لإجراء فحص طبي متخصص.
ولهذا تكتسي المشاريع الصحية المعلن عنها أهمية استثنائية. فبناء وتجهيز مستشفى الملك سلمان الجامعي بالقيروان، وإنجاز مستشفيات جهوية جديدة في الجم وسبيبة وغار الدماء وجلمة وحفوز ومكثر وتالة والدهماني، إضافة إلى المستشفيين متعددي الاختصاصات بسيدي بوزيد وقفصة، لا يمثل مجرد توسع في البنية التحتية الصحية، بل محاولة لإعادة رسم الخريطة الصحية للبلاد على أسس أكثر توازنا.
وتكمن أهمية هذه المشاريع في أنها تستهدف مناطق عانت طويلا من نقص التجهيزات والاختصاصات الطبية، وهو ما قد يخفف مستقبلا الضغط الهائل على المستشفيات الجامعية الكبرى في تونس العاصمة وسوسة وصفاقس والمنستير.
لذلك فإن نجاح هذه المشاريع لن يقاس بعدد المباني الجديدة فقط، بل بقدرتها الفعلية على توفير خدمات صحية ذات جودة عالية وفي آجال معقولة.
ومن اللافت أيضا أن الدولة تراهن على تطوير النظام المعلوماتي الصحي االصحة الإلكترونيةب، وهو توجه يعكس التحول العالمي نحو الرقمنة الصحية. فتبادل الملفات الطبية إلكترونيا وتقليص الإجراءات الإدارية وتحسين متابعة المرضى يمكن أن يساهم في رفع نجاعة الخدمات وتقليص فترات الانتظار، وهي من أكثر النقاط التي يشتكي منها المواطنون اليوم.
النقل.. شريان التنمية الذي لا يمكن الاستغناء عنه
إذا كانت الصحة تمس حياة المواطن بشكل مباشر، فإن النقل يمثل الشريان الذي يربط مختلف مكونات الاقتصاد والمجتمع. فكل تأخير في تطوير البنية التحتية للنقل ينعكس على الاستثمار والتشغيل والتنقل اليومي للمواطنين.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية المشاريع المبرمجة في القطاع، وعلى رأسها مضاعفة الخط الحديدي عدد 22 وتهيئة الخط الحديدي عدد 6 والقسط الأول من مشروع الشبكة الحديدية السريعة.
وتأتي هذه المشاريع في ظرف تشهد فيه منظومة النقل العمومي تحديات متراكمة، سواء على مستوى تقادم الأسطول أو تعطل الرحلات أو محدودية الربط بين الجهات. لذلك فإن تطوير شبكة السكك الحديدية لا يتعلق فقط بتحسين ظروف السفر، بل يندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي والاجتماعي بين مختلف المناطق.
فالسكك الحديدية في كل دول العالم المتقدمة تعد أحد أهم محركات التنمية المستدامة، لما توفره من نقل جماعي أقل كلفة وأكثر أمانا وأقل استهلاكا للطاقة. كما أن تحسين الربط بين المدن والمناطق الداخلية من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة للاستثمار ويشجع على تنقل اليد العاملة والبضائع بكفاءة أكبر.
ولا يمكن الحديث عن النقل بمعزل عن بقية مشاريع البنية التحتية المعلنة، مثل اقنطرةب بنزرت والطريق السيارة تونسذجلمة الذي يربط العاصمة بولايات جديدة على غرار زغوان والقيروان وسيدي بوزيد والقصرين وبرنامج تهذيب وإدماج الأحياء السكنية. فهذه المشاريع تشكل حلقة متكاملة هدفها تقليص الفوارق بين الجهات وتحسين جودة الحياة وتسهيل الحركة الاقتصادية.
التحدي الحقيقي اليوم هو المرور من الإعلان إلى الإنجاز وهو ما يميز المرحلة الحالية. ومن هذا المنطلق هناك إقرار بوجود حاجة ملحة لتسريع الإنجاز والمتابعة الميدانية الصارمة.
وخلال سنوات ما بعد 2011 تحولت العديد من المشاريع العمومية إلى قصص انتظار طويلة بسبب التعقيدات الإدارية أو الإشكاليات العقارية أو ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين. ولذلك فإن الرهان اليوم لا يتعلق ببرمجة المشاريع بقدر ما يتعلق بقدرة الإدارة على تنفيذها في الآجال المحددة وبالمواصفات المطلوبة.ذلك أن الصحة والنقل يمثلان أكثر من مجرد قطاعين ضمن السياسات العمومية. فهما معياران أساسيان لقياس نجاعة الدولة ومدى قدرتها على تحقيق العدالة بين المواطنين والجهات.
الباكالوريا كحدث إعلامي: كيف تصنع الدولة والإعلام ومنصّات التواصل رواية الباكالوريا كل سنة؟
الصحافة اليوم: مصباح الجدي في شهر جوان من كل سنة، لا تخوض تونس …
