2026-06-06

مشاريع‭ ‬معلنة‭ ‬تشغل‭ ‬انتظارات‭ ‬المواطنين‭:‬ النقل‭ ‬والصحة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الرهان‭ ‬التنموي

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

تمثل‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭. ‬فالطريق‭ ‬التي‭ ‬تختصر‭ ‬ساعات‭ ‬التنقل،‭ ‬والمستشفى‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬العلاج‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬محل‭ ‬السكن،‭ ‬والقطار‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬موعده،‭ ‬كلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الخطط‭ ‬والوعود‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬خُصص‭ ‬مجلس‭ ‬وزاري‭ ‬مضيق‭ ‬أشرفت‭ ‬عليه‭ ‬رئيسة‭ ‬الحكومة‭ ‬سارة‭ ‬الزعفراني‭ ‬الزنزري‭ ‬أول‭ ‬أمس‭ ‬الخميس‭ ‬لمتابعة‭ ‬نسق‭ ‬تنفيذ‭ ‬البرامج‭ ‬والمشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬مع‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التسريع‭ ‬في‭ ‬الإنجاز‭ ‬وتذليل‭ ‬العراقيل‭ ‬الإدارية‭ ‬والفنية‭ ‬التي‭ ‬عطلت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬

ورغم‭ ‬تنوع‭ ‬الملفات‭ ‬المطروحة‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬عرضها،‭ ‬برزت‭ ‬ملفات‭ ‬الصحة‭ ‬والنقل‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القطاعات‭ ‬ارتباطا‭ ‬بالحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للتونسيين،‭ ‬ومن‭ ‬أكثر‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬راكمت‭ ‬انتظارات‭ ‬كبيرة‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭.‬

الصحة‭…‬جوهر‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية

لا‭ ‬يكاد‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬الدولة‭. ‬فالفوارق‭ ‬الصحية‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬الساحلية‭ ‬والداخلية‭ ‬ظلت‭ ‬لعقود‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬التفاوت‭ ‬التنموي،‭ ‬حيث‭ ‬يضطر‭ ‬آلاف‭ ‬المرضى‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬عشرات‭ ‬أو‭ ‬مئات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬جامعي‭ ‬أو‭ ‬لإجراء‭ ‬فحص‭ ‬طبي‭ ‬متخصص‭.‬

ولهذا‭ ‬تكتسي‭ ‬المشاريع‭ ‬الصحية‭ ‬المعلن‭ ‬عنها‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية‭. ‬فبناء‭ ‬وتجهيز‭ ‬مستشفى‭ ‬الملك‭ ‬سلمان‭ ‬الجامعي‭ ‬بالقيروان،‭ ‬وإنجاز‭ ‬مستشفيات‭ ‬جهوية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الجم‭ ‬وسبيبة‭ ‬وغار‭ ‬الدماء‭ ‬وجلمة‭ ‬وحفوز‭ ‬ومكثر‭ ‬وتالة‭ ‬والدهماني،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬المستشفيين‭ ‬متعددي‭ ‬الاختصاصات‭ ‬بسيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬وقفصة،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬توسع‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الصحية،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬الصحية‭ ‬للبلاد‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬توازنا‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬تستهدف‭ ‬مناطق‭ ‬عانت‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬التجهيزات‭ ‬والاختصاصات‭ ‬الطبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يخفف‭ ‬مستقبلا‭ ‬الضغط‭ ‬الهائل‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭ ‬الجامعية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬العاصمة‭ ‬وسوسة‭ ‬وصفاقس‭ ‬والمنستير‭.‬

‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬لن‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬المباني‭ ‬الجديدة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬خدمات‭ ‬صحية‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬عالية‭ ‬وفي‭ ‬آجال‭ ‬معقولة‭.‬

ومن‭ ‬اللافت‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬النظام‭ ‬المعلوماتي‭ ‬الصحي‭ ‬االصحة‭ ‬الإلكترونيةب،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬يعكس‭ ‬التحول‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬الرقمنة‭ ‬الصحية‭. ‬فتبادل‭ ‬الملفات‭ ‬الطبية‭ ‬إلكترونيا‭ ‬وتقليص‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬وتحسين‭ ‬متابعة‭ ‬المرضى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬نجاعة‭ ‬الخدمات‭ ‬وتقليص‭ ‬فترات‭ ‬الانتظار،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬يشتكي‭ ‬منها‭ ‬المواطنون‭ ‬اليوم‭.‬

النقل‭.. ‬شريان‭ ‬التنمية‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الصحة‭ ‬تمس‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬فإن‭ ‬النقل‭ ‬يمثل‭ ‬الشريان‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭. ‬فكل‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتشغيل‭ ‬والتنقل‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطنين‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬المشاريع‭ ‬المبرمجة‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬مضاعفة‭ ‬الخط‭ ‬الحديدي‭ ‬عدد‭ ‬22‭ ‬وتهيئة‭ ‬الخط‭ ‬الحديدي‭ ‬عدد‭ ‬6‭ ‬والقسط‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬الشبكة‭ ‬الحديدية‭ ‬السريعة‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬منظومة‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭ ‬تحديات‭ ‬متراكمة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تقادم‭ ‬الأسطول‭ ‬أو‭ ‬تعطل‭ ‬الرحلات‭ ‬أو‭ ‬محدودية‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬تطوير‭ ‬شبكة‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬السفر،‭ ‬بل‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الترابط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭.‬

فالسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬المتقدمة‭ ‬تعد‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محركات‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬لما‭ ‬توفره‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬جماعي‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬أمانا‭ ‬وأقل‭ ‬استهلاكا‭ ‬للطاقة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تحسين‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والمناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقا‭ ‬جديدة‭ ‬للاستثمار‭ ‬ويشجع‭ ‬على‭ ‬تنقل‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬والبضائع‭ ‬بكفاءة‭ ‬أكبر‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النقل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المعلنة،‭ ‬مثل‭ ‬اقنطرةب‭ ‬بنزرت‭ ‬والطريق‭ ‬السيارة‭ ‬تونسذجلمة‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬العاصمة‭ ‬بولايات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬زغوان‭ ‬والقيروان‭ ‬وسيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬والقصرين‭ ‬وبرنامج‭ ‬تهذيب‭ ‬وإدماج‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭. ‬فهذه‭ ‬المشاريع‭ ‬تشكل‭ ‬حلقة‭ ‬متكاملة‭ ‬هدفها‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬وتسهيل‭ ‬الحركة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬المرور‭ ‬من‭ ‬الإعلان‭ ‬إلى‭ ‬الإنجاز‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭  ‬هناك‭ ‬إقرار‭ ‬بوجود‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬لتسريع‭ ‬الإنجاز‭ ‬والمتابعة‭ ‬الميدانية‭ ‬الصارمة‭.‬

وخلال‭ ‬سنوات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬2011‭ ‬تحولت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬إلى‭ ‬قصص‭ ‬انتظار‭ ‬طويلة‭ ‬بسبب‭ ‬التعقيدات‭ ‬الإدارية‭ ‬أو‭ ‬الإشكاليات‭ ‬العقارية‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬ببرمجة‭ ‬المشاريع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقدرة‭ ‬الإدارة‭ ‬على‭ ‬تنفيذها‭ ‬في‭ ‬الآجال‭ ‬المحددة‭ ‬وبالمواصفات‭ ‬المطلوبة‭.‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الصحة‭ ‬والنقل‭ ‬يمثلان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬قطاعين‭ ‬ضمن‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭. ‬فهما‭ ‬معياران‭ ‬أساسيان‭ ‬لقياس‭ ‬نجاعة‭ ‬الدولة‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬والجهات‭. ‬

‫شاهد أيضًا‬

الباكالوريا‭ ‬كحدث‭ ‬إعلامي‭: ‬ كيف‭ ‬تصنع‭ ‬الدولة‭ ‬والإعلام‭ ‬ومنصّات‭ ‬التواصل‭ ‬رواية‭ ‬الباكالوريا‭ ‬كل‭ ‬سنة؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ في‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬لا‭ ‬تخوض‭ ‬تونس‭ ‬…