رغم التحذيرات وقطع الإنترنات: أرقام أوّلية تكشف اتّساع ظاهرة الغش في الباكالوريا
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
كشفت الأرقام الأولية الصادرة عن وزارة التربية عن تسجيل 955 حالة غش خلال الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا 2026، وهو رقم يمثل تقريباً ضعف ما تم تسجيله خلال دورة السنة الماضية التي بلغت فيها الحالات نحو 580 حالة.
ورغم الإجراءات الاستثنائية التي تم اعتمادها هذا العام، من قطع جزئي لخدمات الإنترنت والاتصالات الرقمية، وتشديد المراقبة داخل مراكز الامتحانات وخارجها، إلى جانب الحملات التحسيسية والتحذيرات المتكررة من العقوبات القانونية والإدارية، فإن المؤشرات الأولية توحي بأن معركة الحد من الغش ما تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.
ولا تبدو المسألة مجرد أرقام معزولة، بل هي في نظر عدد من المختصين في التربية وعلم الاجتماع مؤشر على ما يمكن وصفه بـانزيف أخلاقي وتربويب يلامس منظومة القيم داخل المجتمع، ويطرح أسئلة عميقة حول علاقة جزء من الناشئة بمفاهيم الجهد والاستحقاق والنجاح.
الغش… من سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية
لم يعد الغش في الامتحانات بالنسبة إلى البعض مجرد محاولة ظرفية لإنقاذ سنة دراسية، بل أصبح في بعض الأوساط انعكاساً لانتشار ثقافة الربح السريع وتحقيق النتائج بأقل جهد ممكن. وهي ثقافة لا تقتصر على المجال التربوي، بل تمتد إلى مجالات أخرى اقتصادية واجتماعية، حيث تغدو الحيلة أحياناً أكثر إغراء من العمل والمثابرة.
ويحذّر متابعون للشأن التعليمي من أن نجاح تلميذ في اجتياز امتحان الباكالوريا عبر وسائل الغش والتحيل لا يمثل خطراً على مصداقية الامتحان فحسب، بل قد ينعكس مستقبلاً على التعليم العالي وسوق الشغل. فطالب الجامعة الذي يصل إلى مدرجات الدراسة بقدرات لا تعكس مستواه الحقيقي قد يجد نفسه عاجزاً عن مواصلة المسار الأكاديمي بالكفاءة المطلوبة، وهو ما يخلق حلقات متتالية من الضعف والتراجع.
كما أن الظاهرة تطرح إشكالاً آخر يتعلق بمبدإ تكافؤ الفرص، إذ يشعر التلميذ المجتهد بأن جهده قد يصبح بلا قيمة عندما ينجح آخرون بالتحيل، وهو ما قد يؤدي إلى اهتزاز الثقة في الامتحانات الوطنية باعتبارها آلية للفرز العادل بين المترشحين.
التكنولوجيا… سلاح ذو حدّين
خلال السنوات الأخيرة، تطورت وسائل الغش بشكل لافت، وأصبحت تعتمد على أجهزة إلكترونية دقيقة وشبكات منظمة تعرف شعبياً بـاالكيتب، وهو ما دفع السلطات إلى اعتماد إجراءات استثنائية مثل تعطيل بعض خدمات الإنترنت والاتصالات الرقمية خلال فترات الاختبارات.
ورغم الجدل الذي رافق هذه الإجراءات بسبب تأثيرها على عدد من الخدمات الإدارية والاقتصادية، فإن وزارة التربية تعتبرها جزءاً من منظومة حماية الامتحانات الوطنية والحفاظ على مصداقيتها.
لكن الارتفاع المسجل في عدد حالات الغش هذا العام يطرح سؤالاً مشروعاً: هل يكفي الحل الاداري والتقني وحده لمواجهة الظاهرة، أم أن المعالجة الحقيقية تبدأ من المدرسة والأسرة والإعلام ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية؟
نجاح تنظيمي… وأسئلة أخلاقية
المفارقة أن الإعلان عن هذه الأرقام جاء في وقت اعتبرت فيه عديد المندوبيات الجهوية للتربية أن الدورة الرئيسية للباكالوريا حققت نجاحاً تنظيمياً،استنادا إلى حسن سير الامتحانات والانضباط اللوجستي وغياب الاضطرابات الكبرى داخل مراكز الاختبار.
ولا شك أن الجانب التنظيمي يمثل أحد عناصر نجاح أي امتحان وطني، غير أن تضاعف حالات الغش يدفع إلى التمييز بين النجاح الإداري والنجاح التربوي. فإدارة الامتحان بكفاءة شيء، وترسيخ ثقافة النزاهة والاستحقاق شيء آخر.
فإذا كانت القاعات قد حافظت على هدوئها، فإن الأرقام الأولية توحي بأن معركة القيم لم تُحسم بعد، وأن المجتمع مطالب بقراءة الظاهرة خارج منطق العقوبات فقط، باعتبارها قضية تربوية وثقافية في المقام الأول.
تبدو باكالوريا 2026 مناسبة جديدة لإعادة طرح سؤال قديم متجدد كل سنة: كيف يمكن بناء مدرسة تنتج المعرفة والثقة في النفس، لا مدرسة يخشى فيها البعض الامتحان إلى درجة البحث عن أقصر الطرق للنجاح؟
فالرهان الحقيقي ليس فقط تقليص عدد حالات الغش في دورة قادمة، وإنما حماية قيمة الشهادة الوطنية نفسها، حتى تبقى عنواناً للكفاءة والاجتهاد، لا مجرد ورقة يمكن الوصول إليها بالحيلة والتّحيل.
المونديال يغيّر عقارب الساعة في تونس: الفرجة تتواصل للصباح..وحركية اقتصادية استثنائية بالمقاهي
صحافة اليوم: مصباح الجدي لم تعد متابعة مباريات كأس العالم في نسختها الحالية مجرّد هواية ري…

