إنقطاعات الكهرباء: خسائر تطال الاقتصاد وتربك جميع الأنشطة
الصحافة اليوم :مصباح الجدي
لم يعد الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في تونس مجرد إزعاج يعيشه المواطن داخل منزله، بل تحول خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع موجة الحر القياسية، إلى أزمة حقيقية أثرت في مختلف الأنشطة الاقتصادية والمهنية، وألحقت خسائر متفاوتة بالفلاحين والتجار وأصحاب المطاعم والحرفيين، فضلا عن إتلاف كميات من السلع والمواد الغذائية سريعة التلف، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة. وتزداد حدة هذه التداعيات خلال فصل الصيف، حيث يصبح الاعتماد على الكهرباء أكبر من أي وقت مضى، سواء لتشغيل معدات التبريد أو حفظ المواد الغذائية أو لضمان استمرارية الإنتاج والخدمات. لذلك فإن أي انقطاع، حتى وإن كان لساعات قليلة، ينعكس مباشرة على دورة النشاط الاقتصادي ويكبد المتضررين خسائر مالية يصعب تعويضها.
ويعد قطاع بيع اللحوم من أكثر الأنشطة تضرّرا، إذ تعتمد محلات القصابة بشكل كامل على غرف التبريد والثلاجات للحفاظ على سلامة اللحوم واحترام شروط الصحة. وتؤدي الانقطاعات المتكررة، خاصة إذا طالت مدتها، إلى ارتفاع درجات حرارة وحدات التبريد، بما يهدد جودة المنتجات ويجبر بعض التجار على التخلص من كميات منها خوفا من فسادها أو تعرضهم للمساءلة الصحية.
ولا يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لمحلات بيع المثلجات والمرطبات، التي تجد نفسها أمام خطر ذوبان منتجاتها بالكامل بمجرد توقف أجهزة التبريد. كما تتكبد محلات بيع الألبان ومشتقاتها والمشروبات المبردة خسائر مماثلة نتيجة تلف السلع أو فقدانها لجودتها.
أما المطاعم والمقاهي ومحلات الأكلات السريعة، فقد أصبحت تواجه صعوبات يومية في مواصلة نشاطها. فتعطل الثلاجات وأجهزة الطهي والإنارة وأجهزة الدفع الإلكتروني يؤدي إلى تعطيل الخدمات وتأخير إعداد الوجبات، بل وإلغاء بعض الطلبات، خاصة في أوقات الذروة. كما يضطر عدد من أصحاب هذه المؤسسات إلى تشغيل مولدات كهربائية مكلفة، ما يزيد من أعبائهم المالية في ظل ارتفاع كلفة المحروقات.
وامتدت الأضرار أيضا إلى المخابز ومحلات الحلويات التي تعتمد على الكهرباء في تشغيل العجانات والأفران وآلات التبريد، فضلا عن محلات بيع الأسماك والخضر والغلال التي يتطلب حفظ منتجاتها درجات حرارة مناسبة لتجنب تلفها.
محاصيل فلاحية يتم إتلافها
وفي القطاع الفلاحي، تبدو الخسائر أكثر خطورة، خاصة بالنسبة للمحاصيل الصيفية الحساسة. فحقول الطماطم، على سبيل المثال، تحتاج خلال هذه الفترة إلى الريّ اليومي لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة، وأي انقطاع للكهرباء يعني توقف المضخات وعدم وصول المياه إلى المزروعات في الوقت المناسب، وهو ما قد يؤدي إلى ذبول النباتات وتراجع الإنتاج أو إتلاف جزء من المحصول.
ولا يقتصر الأمر على الطماطم فقط، بل يشمل أيضا الفلفل والبطيخ والدلاع والخيار والقرع والعديد من الزراعات السقوية التي أصبحت مرتبطة بشكل مباشر باستمرار التزود بالكهرباء لتشغيل الآبار ومضخات الري.
كما تأثرت الضيعات الفلاحية المتخصصة في تربية الأبقار والدواجن، حيث تحتاج الحيوانات إلى التهوية المستمرة وإلى تشغيل تجهيزات الحلب والتبريد، الأمر الذي يجعل أي انقطاع للكهرباء يهدد الإنتاج الحيواني وجودة الحليب ويزيد من مخاطر نفوق الدواجن في ظل الحرارة المرتفعة.
وفي المحلات التجارية الكبرى والصغرى، سجل العديد من التجار تلفا في كميات من المواد الغذائية المجمدة والمبردة، إضافة إلى تعطل أجهزة الاستخلاص الإلكتروني والحواسيب وأنظمة المراقبة، ما يربك سير العمل ويؤثر في معاملات البيع والشراء.
كما لم تسلم الورشات الصناعية الصغيرة من هذه التداعيات، إذ توقفت آلات النجارة والحدادة والخياطة واللحام والطباعة وغيرها من الأنشطة الحرفية، وهو ما تسبب في تأخير إنجاز الطلبيات وتعطيل مصالح الحرفاء، فضلا عن الأضرار التي قد تلحق ببعض المعدات نتيجة الانقطاع المفاجئ وعودة التيار.
هذه الخسائر، وإن بدت متفرقة، فإنها تتراكم لتشكل عبءا اقتصاديا حقيقيا، خصوصا بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي لا تمتلك الإمكانيات اللازمة لاقتناء مولدات كهربائية أو تجهيزات حماية متطورة.
وبالتوازي مع ذلك تتزايد الدعوات إلى تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية وتسريع الاستثمارات في إنتاج الكهرباء وتطوير الطاقات المتجددة، إلى جانب اعتماد حلول عاجلة تقلص من وتيرة الانقطاعات وتحمي الأنشطة الاقتصادية من خسائر تتكرر يوما بعد آخر.
فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة أساسية، بل أصبحت شريانا رئيسيا يدور حوله الاقتصاد اليومي. وكل انقطاع في هذا الشريان لا يطفئ الأضواء فقط، بل يهدد أرزاق آلاف التونسيين، ويبدد جهود الفلاحين، ويتلف بضائع التجار، ويضاعف الأعباء على المؤسسات التي تكافح من أجل مواصلة نشاطها في ظروف اقتصادية صعبة.
الطّاقة الشمسّية في تونس: بديل واعد للكهرباء،يصطدم بإجراءات معقّدة وكلفة مجحفة
الصحافة اليوم:مصباح الجدي لم تعد موجات الحر التي تعيشها تونس خلال السنوات الأخيرة مجرد ظاه…
