2026-07-24

من‭ ‬الرّفاهية‭ ‬إلى‭ ‬الضرورة إقبال‭ ‬ملحوظ‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬أجهزة‭ ‬التّكييف‭ ‬والتّبريد

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

مع‭ ‬استمرار‭ ‬موجة‭ ‬الحرّ‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬مختلف‭ ‬ولايات‭ ‬الجمهورية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬معهودة،‭ ‬تشهد‭ ‬الأسواق‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬حركية‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬مبيعات‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬والتبريد‭. ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬الكماليات‭ ‬لدى‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬تفرضها‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬القاسية،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعائلات‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬أطفالا‭ ‬أو‭ ‬كبارا‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬أو‭ ‬مرضى‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬مزمنة‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬مشهد‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬داخل‭ ‬محلات‭ ‬بيع‭ ‬المكيفات‭ ‬غريبا،‭ ‬حيث‭ ‬يتزايد‭ ‬الإقبال‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬آخر،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬التركيب‭ ‬والصيانة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بدورها‭ ‬تعرف‭ ‬ضغطا‭ ‬كبيرا،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الفنيين‭ ‬يؤجلون‭ ‬مواعيد‭ ‬التدخل‭ ‬لأيام‭ ‬بسبب‭ ‬كثرة‭ ‬الطلبات‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإقبال‭ ‬الكثيف‭ ‬يخفي‭ ‬وراءه‭ ‬واقعا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬صعبا،‭ ‬إذ‭ ‬وجدت‭ ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬معقّدة‭: ‬الحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬إلى‭ ‬اقتناء‭ ‬جهاز‭ ‬تكييف‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعاره‭ ‬وتكاليف‭ ‬تركيبه‭ ‬واستهلاكه‭ ‬للكهرباء‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬سوى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التداين‭ ‬أو‭ ‬الشراء‭ ‬بالتقسيط‭ ‬لتوفير‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬داخل‭ ‬المنازل‭.‬

عروض‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬كثرة‭ ‬الطلبات

وباتت‭ ‬عروض‭ ‬البيع‭ ‬بالتقسيط‭ ‬تستقطب‭ ‬عددا‭ ‬متزايدا‭ ‬من‭ ‬الحرفاء،‭ ‬فيما‭ ‬يلجأ‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬الأقارب‭ ‬أو‭ ‬الأصدقاء‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬التمويل‭ ‬الصغير،‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اقتناء‭ ‬جهاز‭ ‬يقيهم‭ ‬وأبناءهم‭ ‬من‭ ‬حرارة‭ ‬أصبحت‭ ‬تهدد‭ ‬الصحة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬مصدر‭ ‬للإزعاج‭.‬

بعض‭ ‬التجار‭ ‬أكدوا‭ ‬لـاالصحافة‭ ‬اليومب‭ ‬أن‭ ‬المبيعات‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬تضاعفت‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬التغير‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلك‭ ‬التونسي‭. ‬فالمواطن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يؤجل‭ ‬شراء‭ ‬المكيف‭ ‬أو‭ ‬يستغني‭ ‬عنه‭ ‬تماما،‭ ‬أصبح‭ ‬يعتبره‭ ‬اليوم‭ ‬استثمارا‭ ‬ضروريا‭ ‬لحماية‭ ‬أسرته‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬المتكررة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬شدة‭ ‬واستمرارية‭ ‬بفعل‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭.‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬اقتناء‭ ‬جهاز‭ ‬التكييف‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬سوى‭ ‬بداية‭ ‬المصاريف،‭ ‬إذ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تظهر‭ ‬مخاوف‭ ‬جديدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بفاتورة‭ ‬الكهرباء‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭. ‬ولذلك‭ ‬تعيش‭ ‬عديد‭ ‬الأسر‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التردد،‭ ‬فهي‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬تشغيل‭ ‬المكيف‭ ‬لتخفيف‭ ‬الحرارة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تخشى‭ ‬الفواتير‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تثقل‭ ‬ميزانيتها‭ ‬المحدودة‭.‬

وفي‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والجهات‭ ‬الداخلية،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا،‭ ‬حيث‭ ‬تجد‭ ‬العائلات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬نفسها‭ ‬مجبرة‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬توفير‭ ‬الراحة‭ ‬الحرارية‭ ‬أو‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬مصاريفها‭ ‬الشهرية‭. ‬وبعضها‭ ‬لا‭ ‬يشغّل‭ ‬المكيف‭ ‬إلا‭ ‬لساعات‭ ‬محدودة‭ ‬خلال‭ ‬الليل،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للتقليل‭ ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬الكهرباء‭.‬

كما‭ ‬ساهمت‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬سوق‭ ‬الأجهزة‭ ‬المستعملة،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المكيفات‭ ‬المستعملة‭ ‬الأقل‭ ‬سعرا،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬تتعلق‭ ‬بارتفاع‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬كثرة‭ ‬الأعطال‭. ‬ويقبل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬باعتباره‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬إمكانياتهم‭ ‬المادية‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬تزايد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬الكهرباء‭ ‬الوطنية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الذروة‭ ‬التي‭ ‬يتزامن‭ ‬فيها‭ ‬تشغيل‭ ‬ملايين‭ ‬الأجهزة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استهلاك‭ ‬الكهرباء‭ ‬يبلغ‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تكشف‭ ‬تحولا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬مهما،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالرفاهية،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطا‭ ‬بجودة‭ ‬الحياة‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬إنسانية‭ ‬مقبولة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تشجيع‭ ‬استعمال‭ ‬الأجهزة‭ ‬ذات‭ ‬النجاعة‭ ‬الطاقية‭ ‬العالية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توسيع‭ ‬برامج‭ ‬دعم‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬وخاصة‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬للأسر‭ ‬بالتخفيف‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬استهلاك‭ ‬الكهرباء‭. ‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬المؤشرات‭ ‬المناخية‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬ستصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تكرارا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬سيواصل‭ ‬الارتفاع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬مستدامة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬أجهزة‭ ‬التبريد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضا‭ ‬تحسين‭ ‬العزل‭ ‬الحراري‭ ‬للمباني،‭ ‬وترشيد‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة،‭ ‬ووضع‭ ‬سياسات‭ ‬اجتماعية‭ ‬تراعي‭ ‬قدرة‭ ‬العائلات‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬مناخي‭ ‬جديد‭ ‬أصبح‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للتونسيين‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

إنقطاعات الكهرباء: خسائر تطال الاقتصاد وتربك جميع الأنشطة

الصحافة اليوم :مصباح الجدي لم يعد الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في تونس مجرد إزعاج يعي…