سوسة تحتفي بالأدب الوجيز: ملتقى دولي يستنطق تحوّلات النص القصير وأسئلته الراهنة
اختتم مؤخرا الملتقى العلمي الدولي للأدب الوجيز في دورته الجديدة، ليؤكد مرة أخرى حضور هذا الجنس الأدبي المتنامي في المشهد الثقافي العربي، وليفتح فضاءً للحوار بين باحثين ومبدعين قدموا من بلدان مختلفة لاستنطاق رهاناته الجمالية والنقدية في زمن التحولات الرقمية المتسارعة.
وقد احتضنت دار الثقافة بمساكن وأحد نزل مدينة سوسة فعاليات هذه التظاهرة التي نظمتها جمعية الفنيق للثقافة والإبداع بالتعاون مع عدد من الشركاء، وذلك في سياق سعي حثيث إلى ترسيخ تقاليد البحث في الأشكال السردية القصيرة، وفي مقدمتها القصة الوجيزة التي أضحت مرآة حساسة لتحولات الذائقة المعاصرة.
إطار علمي وتنظيمي متعدد المشارب
تميّز الملتقى بحضور نخبة من الأكاديميين والنقاد الذين شكّلوا اللجنة العلمية، من تونس والمغرب والجزائر وفلسطين، بما يعكس الطابع العربي المشترك لهذه التظاهرة. كما أشرفت لجنة تنظيمية متكاملة على إدارة مختلف الفقرات، في تناغم واضح بين البعدين العلمي واللوجستي، بما أتاح انسيابية في سير الجلسات وتنوعًا في المقاربات.
ولم يقتصر الحضور على الأسماء الأكاديمية فحسب، بل انفتح الملتقى على أصوات إبداعية شابة وتجارب سردية مختلفة، في محاولة لردم الهوة بين التنظير والممارسة، وجعل الأدب الوجيز مجالًا حيًّا للتجريب والتفاعل.
الأدب الوجيز في مواجهة الوسيط الرقمي
وقد كان من أبرز محاور الملتقى، ذلك الاشتغال العميق على علاقة الأدب الوجيز بوسائط التواصل الاجتماعي، حيث طُرحت أسئلة جوهرية حول تحوّلات القصة القصيرة جدًا في الفضاء الرقمي. وقد تناولت إحدى المداخلات مسألة زالوسيط والقارئس، مبرزة كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل علاقة النص بمتلقيه، وجعلت من التكثيف شرطًا جماليًا ووسيلة للانتشار في الآن ذاته.
كما توقفت مداخلة أخرى على محاولة لقراءة انعكاسات اللحظة الرقمية على الكتابة السردية، حيث يغدو النص أقرب إلى ومضة، تختزل التجربة وتراهن على الإيحاء بدل السرد المطوّل.
جلسات علمية وحوار مفتوح
توزعت فعاليات الملتقى بين جلسات علمية ونقاشات مفتوحة، حيث أُفسح المجال لتبادل الآراء حول قضايا مثل التكثيف الدلالي، اقتصاد اللغة، وانزياحات السرد في النصوص القصيرة جدًا. وقد أظهرت هذه الجلسات تباينًا في المقاربات، بين من يرى في الأدب الوجيز امتدادًا طبيعيا للتقاليد السردية، ومن يعتبره جنسًا مستقلا له شروطه الخاصة.
وفي الفترة المسائية، احتضن الملتقى كلمات رسمية لكل من إدارة صالون الأدب الوجيز وضيفة الشرف، إلى جانب الإعلان عن انطلاق أعمال لجنة التحكيم الخاصة بجائزة أمين الذيب للأدب الوجيز (الومضة)، وهي مبادرة تسعى إلى تشجيع الإبداع في هذا المجال وإبراز الأصوات الجديدة.
الإبداع في صلب التظاهرة
لم يغب البعد الإبداعي عن الملتقى، حيث خُصصت جلسة للمبدعين في الأدب الوجيز، شارك فيها كتاب من تونس وسوريا والجزائر والعراق والمغرب، قدموا نماذج من نصوصهم وتجاربهم. وقد شكّلت هذه الجلسة لحظة تلاقٍ بين النظرية والتطبيق، وفضاءً لاختبار النصوص أمام جمهور متنوع. كما تخللت الفعاليات فترات حوار تفاعلي واستراحات أتاحت للمشاركين فرصة النقاش غير الرسمي، بما يعزز روح التبادل الثقافي ويكرّس الملتقى كفضاء حيّ للحوار.
اختتام وتوصيات
وقد اختُتم الملتقى بجلسة رسمية تم خلالها تلاوة البيان الختامي، الذي تضمّن جملة من التوصيات أبرزها ضرورة مواصلة البحث في الأدب الوجيز، والانفتاح على تجارب جديدة، إلى جانب دعم المبادرات التي تحتفي بهذا الجنس الأدبي.
كما تم الإعلان عن نتائج جائزة أمين الذيب في دورتها الأولى، وتقديم شهادات الشكر والتقدير للمشاركين، في أجواء احتفالية تؤكد نجاح هذه التظاهرة في تحقيق أهدافها. لا يبدو هذا الملتقى الدّولي مجرد حدث عابر، بل محطة ضمن مسار أوسع يسعى إلى إعادة التفكير في الكتابة السردية في زمن السرعة، حيث يغدو زالوجيزس ليس فقط شكلًا أدبيًا، بل تعبيرًا عن تحوّل عميق في طرائق القول والتلقي.
جولة في أروقة معرض تونس الدّولي للكتاب: بـيـن وفـرة الـعـناوين وأسـئلة الــقراءة ومشاكل الناشرين
منذ الخطوة الأولى داخل أروقة معرض تونس الدولي للكتاب 2026 بقصر المعا…
