2026-06-13

‭”‬بيت‭ ‬الحكمة‭” ‬يختتم‭ ‬موسمه‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بمحاضرة‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية وشريط‭ ‬وثائقي‭ ‬حول‭ ‬حصاد‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭  :‬كمال‭ ‬الشيحاوي

يختتم‭ ‬المجمع‭ ‬التونسي‭ ‬للعلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭ ‬ابيت‭ ‬الحكمةب‭ ‬موسمه‭ ‬الأكاديمي‭ ‬2025‭ ‬ـ‭ ‬2026‭ ‬بتظاهرة‭ ‬فكرية‭ ‬وثقافية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمنجز‭ ‬والتأمل‭ ‬في‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬المعاصر‭. ‬وبمناسبة‭ ‬انتهاء‭ ‬مهام‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي‭ ‬للمجمع،‭ ‬أشرف‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمود‭ ‬بن‭ ‬رمضان‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬11‭ ‬جوان‭ ‬2026‭ ‬على‭ ‬فعالية‭ ‬تضمنت‭ ‬عرضًا‭ ‬لشريط‭ ‬وثائقي‭ ‬وثق‭ ‬أبرز‭ ‬أنشطة‭ ‬المؤسسة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تلاه‭ ‬نقاش‭ ‬فكري‭ ‬ومحاضرة‭ ‬ختامية‭ ‬للأستاذة‭ ‬آمال‭ ‬بن‭ ‬عمار‭ ‬القعيد‭ ‬بعنوان‭: ‬اإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬هويتنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التقاطع‭ ‬بين‭ ‬علم‭ ‬الجينوم‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانيةب‭.‬

وتحمل‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دلالة،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬بروتوكولية‭ ‬لتوديع‭ ‬مرحلة‭ ‬إدارية،‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬للوقوف‭ ‬عند‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬قطعه‭ ‬ابيت‭ ‬الحكمةب‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬رسالته‭ ‬الثقافية‭ ‬والعلمية‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المؤسسات‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬وفضاءً‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬الاختصاصات‭ ‬والمعارف‭ ‬المختلفة‭.‬

بيت‭ ‬الحكمة‭.. ‬مؤسسة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي

منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬سنة‭ ‬1983،‭ ‬اضطلع‭ ‬بيت‭ ‬الحكمة‭ ‬بدور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانته‭ ‬باعتباره‭ ‬فضاءً‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬والأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬والمفكرين،‭ ‬ومؤسسة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بقضايا‭ ‬المجتمع‭ ‬وتحولاته‭.‬

وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كثّف‭ ‬المجمع‭ ‬من‭ ‬أنشطته‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬فنظّم‭ ‬عشرات‭ ‬الندوات‭ ‬والملتقيات‭ ‬والمحاضرات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬قضايا‭ ‬تتصل‭ ‬بالهوية‭ ‬والثقافة‭ ‬واللغة‭ ‬والتراث‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتحولات‭ ‬البيئية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالعلوم‭ ‬الدقيقة‭ ‬والطب‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭. ‬كما‭ ‬واصل‭ ‬إصدار‭ ‬منشوراته‭ ‬العلمية‭ ‬والأدبية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬مرجعًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للباحثين‭ ‬والمهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي‭.‬

وقد‭ ‬حرصت‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الفكرية‭ ‬الراهنة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استضافة‭ ‬شخصيات‭ ‬أكاديمية‭ ‬بارزة‭ ‬وتنظيم‭ ‬لقاءات‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬إيمانها‭ ‬بأن‭ ‬التحديات‭ ‬المعاصرة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مقاربتها‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬تفاعل‭ ‬العلوم‭ ‬وتكاملها‭.‬

شريط‭ ‬يوثق‭ ‬ذاكرة‭ ‬النشاط‭ ‬الثقافي

يكتسي‭ ‬عرض‭ ‬الشريط‭ ‬الوثائقي‭ ‬المبرمج‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬إذ‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬لاستعادة‭ ‬ذاكرة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلمي‭. ‬فالصور‭ ‬والوثائق‭ ‬والشهادات‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها‭ ‬الشريط‭ ‬لا‭ ‬توثق‭ ‬فقط‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬واللقاءات،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬عمل‭ ‬المؤسسة‭ ‬وسعيها‭ ‬المستمر‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬المعرفة‭ ‬عنصرًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العمومي‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬الاسترجاع‭ ‬البصري‭ ‬أن‭ ‬يبرز‭ ‬حجم‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬الأنشطة‭ ‬واستقطاب‭ ‬الباحثين‭ ‬والمبدعين،‭ ‬كما‭ ‬يسمح‭ ‬بتقييم‭ ‬المنجز‭ ‬واستشراف‭ ‬الآفاق‭ ‬المستقبلية‭ ‬للمجمع‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭.‬

الجينوم‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭.. ‬سؤال‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬العلم

و‭ ‬الحدث‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمسية‭ ‬الفكرية‭ ‬يبقى‭ ‬المحاضرة‭ ‬الختامية‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬الأستاذة‭ ‬آمال‭ ‬بن‭ ‬عمار‭ ‬القعيد‭ ‬حول‭ ‬اإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬هويتنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التقاطع‭ ‬بين‭ ‬علم‭ ‬الجينوم‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانيةب‭.‬

واندرجت‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬ضمن‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭ ‬راهنية‭ ‬وإثارة‭ ‬للنقاش،‭ ‬إذ‭ ‬تتناول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬تكشفها‭ ‬الأبحاث‭ ‬الجينية‭ ‬الحديثة‭ ‬وبين‭ ‬التصورات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للهوية‭ ‬الإنسانية‭. ‬فقد‭ ‬مكّن‭ ‬التقدم‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الجينوم‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسلمات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بأصول‭ ‬الشعوب‭ ‬والهجرات‭ ‬البشرية‭ ‬والتنوع‭ ‬الثقافي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬جديدة‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬الانتماء‭ ‬وحدود‭ ‬الهوية‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لأنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬القراءة‭ ‬البيولوجية‭ ‬الضيقة‭ ‬للإنسان،‭ ‬لتطرح‭ ‬إمكانية‭ ‬بناء‭ ‬فهم‭ ‬أكثر‭ ‬شمولًا‭ ‬للهوية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬نتائج‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬وأدوات‭ ‬التحليل‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭. ‬فالهويات‭ ‬لا‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬الشيفرات‭ ‬الوراثية‭ ‬وحدها،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬السياقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والرمزية‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬داخلها‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬يشهد‭ ‬تصاعد‭ ‬النقاشات‭ ‬حول‭ ‬الهجرة‭ ‬والاختلاف‭ ‬الثقافي‭ ‬والانتماءات‭ ‬المتعددة،‭ ‬تبدو‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المقاربات‭ ‬ضرورية‭ ‬لفهم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وإنسانية‭ ‬للذات‭ ‬وللآخر،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التصورات‭ ‬الجوهرانية‭ ‬أو‭ ‬الإقصائية‭.‬

احتفاء‭ ‬بالمنجز‭ ‬وانفتاح‭ ‬على‭ ‬المستقبل

تأتي‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرة‭ ‬الختامية‭ ‬لتؤكد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يضطلع‭ ‬به‭ ‬بيت‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الجسور‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية،‭ ‬وفي‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬للحوار‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭. ‬وبين‭ ‬استعادة‭ ‬حصيلة‭ ‬موسم‭ ‬أكاديمي‭ ‬حافل‭ ‬وطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جديدة‭ ‬حول‭ ‬الإنسان‭ ‬وهويته،‭ ‬يواصل‭ ‬المجمع‭ ‬التونسي‭ ‬للعلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭ ‬أداء‭ ‬رسالته‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤسسة‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬مواكبة‭ ‬رهانات‭ ‬العصر‭ ‬دون‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬قيم‭ ‬العقل‭ ‬والانفتاح‭ ‬والتعدد‭. ‬وبذلك‭ ‬يتحول‭ ‬اختتام‭ ‬الموسم‭ ‬الأكاديمي‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬تأمل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تحقق،‭ ‬وإلى‭ ‬دعوة‭ ‬متجددة‭ ‬لمواصلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬العلوم‭ ‬والتقنيات‭ ‬والثقافات‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان “الساف” بالهوارية في دورته الجديدة نهاية شهر جوان فضاء لتعزيز قيم الاعتزاز بالهوية، وإبراز مكانة التراث اللامادي

الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي تستعد مدينة الهوارية لاحتضان فعاليات الدورة السابعة والخمسين …