2026-08-04

على‭ ‬هامش‭ ‬دعوة‭ ‬الفنانة‭ ‬الكبيرة‭ “‬ميادة‭ ‬الحناوي‭” ‬إلى‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭:‬ هــل‭ ‬يـتـخـفّـى‭ ‬الاسـتـثـمـــار‭ ‬الـتـجــاري‭ ‬وراء‭ ‬الــتــكــــريــــــــم؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

أعاد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬استضافة‭ ‬الفنانة‭ ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬لمهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬فتح‭ ‬ملف‭ ‬ظل‭ ‬يطل‭ ‬برأسه‭ ‬كلما‭ ‬اعتلى‭ ‬أحد‭ ‬عمالقة‭ ‬الغناء‭ ‬العربي‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬الفني‭. ‬فمنذ‭ ‬سنوات‭ ‬ينقسم‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬اعترافًا‭ ‬بجميل‭ ‬الفنانين‭ ‬الكبار‭ ‬وتكريمًا‭ ‬لمسيرتهم،‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يعتبرها‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬استنزاف‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬رصيدهم‭ ‬الفني‭ ‬والإنساني،‭ ‬عبر‭ ‬وضعهم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جمهور‭ ‬يقارن،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يشعر،‭ ‬بين‭ ‬صوت‭ ‬الأمس‭ ‬وصوت‭ ‬اليوم‭.‬

ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬فهي‭ ‬صاحبة‭ ‬تجربة‭ ‬استثنائية‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬الأغنية‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وإنما‭ ‬بالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬كل‭ ‬مرة‭: ‬متى‭ ‬يتحول‭ ‬التكريم‭ ‬إلى‭ ‬عبء؟‭ ‬ومتى‭ ‬يصبح‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬يكنه‭ ‬الجمهور‭ ‬لفنانه‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬تعريضه‭ ‬إلى‭ ‬لحظات‭ ‬لا‭ ‬تليق‭ ‬بتاريخه؟

الجمهور‭ ‬يشتري‭ ‬ذاكرته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬التذكرة

لا‭ ‬يدخل‭ ‬المتفرج‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬ليستمع‭ ‬إلى‭ ‬أغنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يدخل‭ ‬محمّلًا‭ ‬بصورة‭ ‬قديمة‭ ‬للفنان‭. ‬يأتي‭ ‬وهو‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬رافقه‭ ‬في‭ ‬شبابه،‭ ‬وعن‭ ‬الهيبة‭ ‬التي‭ ‬صنعتها‭ ‬عشرات‭ ‬الحفلات‭ ‬والتسجيلات‭ ‬الخالدة‭.‬

لكن‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬أحدًا‭. ‬فالحنجرة‭ ‬تضعف،‭ ‬والنفس‭ ‬يقصر،‭ ‬والجسد‭ ‬يفقد‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬توازنه‭. ‬وعندما‭ ‬يجد‭ ‬الفنان‭ ‬نفسه‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬مجاراة‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬بنفسه،‭ ‬يتحول‭ ‬الحفل‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والزمن‭. ‬وحينها‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬الفنان‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يخسر‭ ‬الجمهور‭ ‬أيضًا،‭ ‬لأنه‭ ‬يغادر‭ ‬وفي‭ ‬قلبه‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الأسى‭ ‬على‭ ‬أسطورة‭ ‬كان‭ ‬يفضل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬محفوظة‭ ‬في‭ ‬أجمل‭ ‬صورها‭.‬

وردة‭ ‬ونجاة‭… ‬درسان‭ ‬لم‭ ‬نتعلم‭ ‬منهما

لا‭ ‬تزال‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭ ‬تحتفظ‭ ‬بالمشهد‭ ‬المؤلم‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬جمهور‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬مع‭ ‬الراحلة‭ ‬وردة‭ ‬الجزائرية‭ ‬عندما‭ ‬أنهكها‭ ‬التعب‭ ‬على‭ ‬الركح‭ ‬وكادت‭ ‬تنهار‭ ‬أمام‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬محبيها‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المشهد‭ ‬يليق‭ ‬بتاريخ‭ ‬صاحبة‭ “‬بتونس‭ ‬بيك‭”‬،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬القسوة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تمارسها‭ ‬المسارح‭ ‬أحيانًا‭ ‬على‭ ‬أصحابها‭.‬

وتكرر‭ ‬المشهد‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬مع‭ ‬الفنانة‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬حفلاتها‭ ‬الخليجية‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الغياب‭. ‬جاء‭ ‬الجمهور‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بالحنين،‭ ‬لكنه‭ ‬وجد‭ ‬الزمن‭ ‬قد‭ ‬ترك‭ ‬بصمته‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬والحركة،‭ ‬فتحولت‭ ‬الأمسية‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬امتزج‭ ‬فيها‭ ‬التصفيق‭ ‬بالمواساة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاحتفاء‭.‬

ولا‭ ‬تنتقص‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الفنانتين،‭ ‬بل‭ ‬تطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يقرر‭ ‬عودتهما،‭ ‬ولماذا؟

ليس‭ ‬الفنان‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يتخذ‭ ‬القرار

قد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬القرار،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭. ‬فحول‭ ‬كل‭ ‬نجم‭ ‬كبير‭ ‬شبكة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬سوى‭ ‬فرصة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭.‬

هناك‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬يعتمدون،‭ ‬أحيانًا،‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الحفلات‭ ‬كمصدر‭ ‬دخل‭. ‬وهناك‭ ‬وكلاء‭ ‬أعمال‭ ‬ومنتجون‭ ‬ومنظمو‭ ‬مهرجانات‭ ‬ومتعهدو‭ ‬حفلات‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬اسمًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬مهما‭ ‬تقدمت‭ ‬به‭ ‬السن،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬آلاف‭ ‬التذاكر‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يصبح‭ ‬الرصيد‭ ‬الرمزي‭ ‬للفنان‭ ‬سلعة‭ ‬تدر‭ ‬الأرباح‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬باستثناء‭ ‬الفنان‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬من‭ ‬صورته‭ ‬ومن‭ ‬هيبته‭ ‬ثمن‭ ‬ذلك‭ ‬النجاح‭ ‬التجاري‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬التعميم‭ ‬أو‭ ‬اتهام‭ ‬الجميع‭ ‬بسوء‭ ‬النية،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أيضًا‭ ‬تجاهل‭ ‬أن‭ ‬اقتصاد‭ ‬الحنين‭ ‬أصبح‭ ‬صناعة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬صنعت‭ ‬مجدها‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬سيشتري‭ ‬الذكرى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬العرض‭.‬

المهرجانات‭ ‬مسؤولة‭ ‬أيضًا

ليست‭ ‬المهرجانات‭ ‬مجرد‭ ‬فضاءات‭ ‬للفرجة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافية‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬القيمة‭ ‬الرمزية‭ ‬للفنانين‭ ‬الذين‭ ‬تستضيفهم‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬التكريم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يختزل‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬غنائي‭ ‬كامل،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الأداء‭ ‬عبئًا‭ ‬على‭ ‬صاحبه‭.‬

وثمة‭ ‬بدائل‭ ‬أكثر‭ ‬رقيًا‭ ‬واحترامًا‭ ‬ومنها‭ ‬أمسيات‭ ‬احتفائية،‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬الجمهور،‭ ‬عروض‭ ‬وثائقية،‭ ‬شهادات‭ ‬من‭ ‬رفاق‭ ‬المسيرة،‭ ‬أو‭ ‬مشاركة‭ ‬رمزية‭ ‬ومدروسة‭ ‬تليق‭ ‬بالمكانة‭ ‬الفنية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬خاسر‭ ‬مع‭ ‬شبابه‭.‬

حق‭ ‬الفنان‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬واقفًا

في‭ ‬الرياضة،‭ ‬يعرف‭ ‬الأبطال‭ ‬أن‭ ‬الاعتزال‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭ ‬يحفظ‭ ‬تاريخهم‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬العربي،‭ ‬فما‭ ‬زلنا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬التصفيق‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭ ‬لتبرير‭ ‬استمرار‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬المسرح،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الجسد‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬الأسطورة‭.‬

ولعل‭ ‬دعوة‭ ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬إلى‭ ‬قرطاج‭ ‬تعيد‭ ‬فتح‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬الضروري،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬مكانتها‭ ‬موضع‭ ‬شك،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬مناسبة‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬التكريم‭ ‬نفسه‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ظهور‭ ‬احتفاءً،‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬عودة‭ ‬انتصارًا‭.‬

أحيانًا،‭ ‬يكون‭ ‬أسمى‭ ‬أشكال‭ ‬الوفاء‭ ‬للفنان‭ ‬الكبير‭ ‬أن‭ ‬نحمي‭ ‬صورته‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وأن‭ ‬نتركه‭ ‬يغادر‭ ‬المسرح‭ ‬مرفوع‭ ‬الرأس،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬التصفيق‭ ‬الذي‭ ‬يستحقه‭ ‬إلى‭ ‬تصفيق‭ ‬مشوب‭ ‬بالشفقة،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الحنين،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يومًا‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يربط‭ ‬الجمهور‭ ‬بنجومه،‭ ‬مجرد‭ ‬تجارة‭ ‬تدر‭ ‬الأرباح‭ ‬على‭ ‬آخرين،‭ ‬بينما‭ ‬يدفع‭ ‬الفنان‭ ‬وحده‭ ‬ثمنها‭ ‬من‭ ‬رصيده‭ ‬ومن‭ ‬كرامة‭ ‬تاريخه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة‭ ‬الأربعون‭ ‬لمهرجان‭ ‬الأدباء‭ ‬الشبان‭ ‬بقليبية‭ :‬ هل‭ ‬كانت‭ ‬تسمية‭ “‬الأدباء‭ ‬الشبان‭” ‬فخـّا‭ ‬أم‭ ‬لعنة‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬شعار؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي حين‭ ‬يبلغ‭ ‬مهرجان‭ ‬ثقافي‭ ‬دورته‭ ‬الأربعين،‭ ‬فإنّه…