2026-08-04

الدورة‭ ‬الأربعون‭ ‬لمهرجان‭ ‬الأدباء‭ ‬الشبان‭ ‬بقليبية‭ :‬ هل‭ ‬كانت‭ ‬تسمية‭ “‬الأدباء‭ ‬الشبان‭” ‬فخـّا‭ ‬أم‭ ‬لعنة‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬شعار؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

حين‭ ‬يبلغ‭ ‬مهرجان‭ ‬ثقافي‭ ‬دورته‭ ‬الأربعين،‭ ‬فإنّه‭ ‬لا‭ ‬يحتفل‭ ‬بطول‭ ‬العمر‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يحتفي‭ ‬أيضا‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬المهرجان‭ ‬الوطني‭ ‬للأدباء‭ ‬الشبان‭ ‬بقليبية‭ ‬الذي‭ ‬تنظمه‭ ‬جمعية‭ ‬منارة‭ ‬الأدب،‭ ‬ويعود‭ ‬من‭ ‬23‭ ‬إلى‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ “‬جيل‭ ‬التسعينات‭… ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬التونسي‭: ‬تجربة‭ ‬مجدي‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬نموذجا‭”‬،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬الروائي‭ ‬والكاتب‭ ‬مجدي‭ ‬بن‭ ‬عيسى،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬رسخت‭ ‬حضورها‭ ‬منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

برنامج‭ ‬الدورة‭ ‬يبدو‭ ‬وفيا‭ ‬لروح‭ ‬المهرجان‭ ‬التي‭ ‬جمعت،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬بين‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالإبداع‭ ‬الجديد‭ ‬وفتح‭ ‬فضاءات‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ندوات‭ ‬فكرية‭ ‬وقراءات‭ ‬شعرية‭ ‬وورشات‭ ‬تكوينية‭ ‬ولقاءات‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الكتّاب‭.‬

افتتاح‭ ‬بين‭ ‬التكريم‭ ‬والقراءات‭ ‬الأدبية

يفترض‭ ‬أن‭ ‬فعاليات‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬قد‭ ‬انطلقت‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬23‭ ‬جويلية‭ ‬باستقبال‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬والضيوف،‭ ‬ثم‭ ‬زيارة‭ ‬معرض‭ ‬للكتاب‭ ‬وللمعروضات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالتراث‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحتضن‭ ‬مسرح‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬بالزمن‭ ‬الصافي‭ ‬حفل‭ ‬الافتتاح‭ ‬الرسمي‭.‬

ويتضمن‭ ‬الافتتاح‭ ‬كلمة‭ ‬للجهة‭ ‬المنظمة‭ ‬وتقديم‭ ‬أعضاء‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كلمة‭ ‬باسم‭ ‬الأدباء‭ ‬الشبان‭ ‬يلقيها‭ ‬الفائز‭ ‬بالجائزة‭ ‬الأولى‭ ‬للدورة‭ ‬السابقة،‭ ‬الكاتب‭ ‬سيرين‭ ‬جنوني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوالى‭ ‬القراءات‭ ‬الشعرية‭ ‬بمشاركة‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬الخصار‭ ‬وجمعة‭ ‬الرفاعي‭ ‬وعز‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬محمود‭ ‬ويوسف‭ ‬غفط،‭ ‬لتختتم‭ ‬السهرة‭ ‬بعرض‭ ‬موسيقي‭.‬

ورشات‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬والشعر‭… ‬واستثمار‭ ‬في‭ ‬المواهب‭ ‬الجديدة

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬رهانات‭ ‬الدورة‭ ‬الجديدة‭ ‬استمرار‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتكوين،‭ ‬إذ‭ ‬انطلقت‭ ‬صباح‭ ‬الجمعة‭ ‬أشغال‭ ‬الورشات‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬ستخصص‭ ‬لفني‭ ‬القصة‭ ‬والشعر،‭ ‬وهي‭ ‬تقليد‭ ‬حافظ‭ ‬عليه‭ ‬المهرجان‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬فضاءات‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأصوات‭ ‬الجديدة‭ ‬وصقل‭ ‬تجاربها،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬المسابقات‭ ‬وحدها‭.‬

وتتواصل‭ ‬البرمجة‭ ‬بندوة‭ ‬فكرية‭ ‬بعنوان‭ “‬جيل‭ ‬التسعينات‭… ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬التونسي‭: ‬تجربة‭ ‬مجدي‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬نموذجا‭”‬،‭ ‬يديرها‭ ‬الباحث‭ ‬عاشور‭ ‬بيوكلة،‭ ‬ويشارك‭ ‬فيها‭ ‬الناقد‭ ‬محمد‭ ‬بنجاح‭ ‬بمداخلة‭ ‬حول‭ ‬تجربة‭ ‬بن‭ ‬عيسى،‭ ‬فيما‭ ‬يتناول‭ ‬الدكتور‭ ‬شفيق‭ ‬الطارقي‭ ‬سؤال‭ “‬شعراء‭ ‬التسعينات،‭ ‬مأزق‭ ‬التسمية‭ ‬وتجليات‭ ‬الخطاب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نماذج‭”.‬

أما‭ ‬السهرة‭ ‬فتخصص‭ ‬لحوار‭ ‬مفتوح‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشعراء،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬المنصف‭ ‬الوهايبي‭ ‬وآدم‭ ‬فتحي‭ ‬وزهرة‭ ‬القاضي‭ ‬ونور‭ ‬الدين‭ ‬صمود‭ ‬وصفوان‭ ‬العيسي،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬المشاركين‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬للاحتكاك‭ ‬بأسماء‭ ‬صنعت‭ ‬جزءا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬التونسي‭ ‬الحديث‭.‬

ويشهد‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬مواصلة‭ ‬الورشات،‭ ‬قبل‭ ‬مداولات‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬والإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج،‭ ‬ثم‭ ‬حفل‭ ‬الاختتام‭ ‬الذي‭ ‬يتضمن‭ ‬توزيع‭ ‬الجوائز‭ ‬والتكريمات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قراءات‭ ‬شعرية‭ ‬ومرافقة‭ ‬موسيقية،‭ ‬في‭ ‬تقليد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالفائزين‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالأدب‭ ‬نفسه‭.‬

‭”‬الأدباء‭ ‬الشبان‭”… ‬تسمية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة؟

لكن،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يواصل‭ ‬مهرجان‭ ‬قليبية‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬الثقافي،‭ ‬فإنه‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬سؤالا‭ ‬بات‭ ‬يرافقه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تسمية‭ “‬الأدباء‭ ‬الشبان‭” ‬مناسبة؟

فاللافت‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬شهرة‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬ندواته‭ ‬وتكرّم‭ ‬في‭ ‬دوراته،‭ ‬تجاوزت‭ ‬الخمسين،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬عددا‭ ‬منها‭ ‬شارف‭ ‬على‭ ‬الستين‭ ‬أو‭ ‬تجاوزها‭. ‬لقد‭ ‬ظل‭ ‬هؤلاء،‭ ‬رمزيا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬يحملون‭ ‬صفة‭ “‬الشباب‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬صار‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬التجارب‭ ‬الراسخة‭.‬

ربما‭ ‬كانت‭ ‬التسمية،‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬المهرجان،‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬احتضان‭ ‬الأصوات‭ ‬الجديدة‭. ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬تحولت‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المفارقة؛‭ ‬إذ‭ ‬بقي‭ ‬الاسم‭ ‬ثابتا‭ ‬بينما‭ ‬تغيّرت‭ ‬الأعمار‭ ‬والأجيال‭. ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬عبارة‭ “‬الأدباء‭ ‬الشبان‭” ‬أصبحت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬تاريخية‭ ‬للمهرجان‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬توصيف‭ ‬حقيقي‭ ‬للمشاركين‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ “‬اللعنة‭ ‬الجميلة‭” ‬لم‭ ‬تنتقص‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬المهرجان،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬منحت‭ ‬خريجيه‭ ‬انتماء‭ ‬رمزيا‭ ‬لا‭ ‬يغادرهم‭. ‬فكل‭ ‬من‭ ‬مرّ‭ ‬من‭ ‬قليبية‭ ‬يظل،‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المهرجان،‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ “‬الأدباء‭ ‬الشبان‭”‬،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬غزا‭ ‬الشيب‭ ‬رأسه‭ ‬وأصبح‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المشهد‭ ‬الأدبي‭.‬

وربما‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التسمية،‭ ‬ليس‭ ‬للتخلي‭ ‬عن‭ ‬تاريخها،‭ ‬وإنما‭ ‬لفتحها‭ ‬على‭ ‬أفق‭ ‬أوسع‭ ‬يجعل‭ ‬المهرجان‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رسالته‭ ‬الحقيقية‭: ‬احتضان‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أجياله،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دوره‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأصوات‭ ‬الجديدة‭ ‬وصناعة‭ ‬مستقبل‭ ‬الكتابة‭ ‬التونسية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حول‭ ‬برمجة‭ ‬المهرجانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والجهوية‭:‬ مساحات‭ ‬للبهجة‭ ‬والمتعة‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي مع‭ ‬حلول‭ ‬ذروة‭ ‬الموسم‭ ‬الصيفي،‭ ‬عادت‭ ‬المهرجانات…