لقاء في “بيت الحكمة” حول مسيرة الكاتبة التونسية “أميرة غنيم” الجامعية والأدبية: حين تتقاطع الحكاية مع التحولات الكبرى وتشتبك مع أسئلة السلطة والهوية والانتماء
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
مثّلت الندوة التي احتضنها المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون ابيت الحكمةب مؤخرا حول أعمال الروائية والجامعية التونسية أميرة غنيم حدثا ثقافيا لافتا، ليس فقط بسبب طبيعة الموضوع الذي انشغلت به، وإنما أيضا بسبب الرؤية الفكرية التي انطلقت منها. فاللقاء الذي حمل عنوان االسرد والتاريخ والتأويل: قراءات في أعمال أميرة غنيمب كشف عن رغبة واضحة في تجاوز القراءة الأدبية التقليدية نحو مقاربة متعددة الاختصاصات تجمع بين السرد والتاريخ والفلسفة التأويلية والنقد الثقافي
وقد أشرف على الندوة الأستاذ محمد محجوب، ضمن أنشطة قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية بدائرة اللغة العربية واحلقة التأويلب ببيت الحكمة، بمشاركة عدد من الباحثين والجامعيين الذين سعوا إلى مساءلة التجربة الروائية لأميرة غنيم بوصفها مشروعا فكريا وجماليا يتجاوز حدود الحكاية نحو إعادة التفكير في الذاكرة والهوية والتاريخ
تجربة تُقرأ وهي تتقدّم
تكمن خصوصية هذا اللقاء في كونه يلتفت إلى تجربة أدبية وهي ما تزال في طور التشكّل والتطوّر، بعيدا عن ذلك التقليد النقدي العربي الذي اعتاد تأجيل الاعتراف بالتجارب إلى ما بعد اكتمالها أو أفولها. فالندوة مثّلت نوعا من االمواكبة النقديةب الحيّة لمشروع روائي فرض حضوره خلال السنوات الأخيرة داخل المشهد الثقافي التونسي والعربي.
وقد أشار محمد محجوب في تقديمه إلى أهمية الجمع بين االكتابة السردية والنظر الفلسفي التأويلي والنقد التاريخيب، معتبرا أنّ هذا النوع من المقاربات المتضافرة سيكون من أبرز رهانات الدراسات الإنسانية مستقبلا، خاصة في ظل تداخل الحقول المعرفية وتراجع الحدود الجامدة بين الاختصاصات.
شارك في هذه الندوة بالمداخلة والتعقيب والنقاش عدد كبير من الجامعيين والباحثين نذكر منهم “عادل خذر” و”عبد الحميد هنية” “سعيد بحيرة” “عبد الجليل بوقرّة” و”محمد القاضي” و”دليلة شقرون” و”محمد الخبو”
الرواية باعتبارها كتابة للذاكرة
لقد استطاعت أميرة غنيم، من خلال أعمالها الروائية مثل انازلة دار الأكابرب واتراب سخونب واالعظماء يموتون في أفريل”ة ب، أن تؤسس صوتا سرديا خاصا يقوم على إعادة استنطاق التاريخ الاجتماعي والثقافي التونسي، لا بوصفه مادة توثيقية جامدة، بل باعتباره خزانا للأسئلة والهواجس والتوترات الإنسانية.
وقد توقفت عديد القراءات النقدية عند قدرتها اللافتة على تحويل الذاكرة الجماعية إلى مادة روائية نابضة بالحياة، حيث تتقاطع الحكاية الفردية مع التحولات الكبرى للمجتمع، وتتداخل التفاصيل اليومية الحميمة مع أسئلة السلطة والعنف والهوية والانتماء.
وهو ما جعل الكتابة عند أميرة غنيم أقرب إلى عملية تنقيب داخل المسكوت عنه اجتماعيا وتاريخيا، فهي لا تستعيد الماضي بدافع النوستالجيا، وإنما تعيد تفكيكه وتأويله للكشف عن أثره العميق في الحاضر. لذلك كثيرا ما تتحول شخصياتها إلى كائنات معلّقة بين زمنين: زمن الذاكرة وزمن التحولات العنيفة التي تعصف بالمجتمع.
لغة تجمع الشعرية بالقسوة الواقعية
ومن أبرز ما انتبه إليه النقاد في تجربة أميرة غنيم قدرتها على المزاوجة بين اللغة الشعرية الكثيفة والبعد الواقعي الصادم. فهي تكتب بعبارات مشغولة بعناية، دون أن تقع في التزويق المجاني أو الاستعراض البلاغي، كما تمتلك قدرة واضحة على بناء شخصيات متوترة ومعقدة تنتمي إلى الهامش الاجتماعي والنفسي بقدر ما تنتمي إلى قلب الأسئلة الجماعية.
ويلاحظ في أعمالها أيضا ذلك الاشتغال الدقيق على التفاصيل الصغيرة، سواء في رسم الأمكنة أو في بناء العلاقات الإنسانية، بما يجعل الرواية فضاءً لاستعادة التحولات العميقة التي عرفها المجتمع التونسي خلال العقود الأخيرة. ولذلك تبدو نصوصها في كثير من الأحيان أقرب إلى مرايا اجتماعية تكشف تصدعات العائلة والمدينة والذاكرة والسلطة.
بين الجامعة والرواية
لا تنفصل تجربة أميرة غنيم الروائية عن خلفيتها الأكاديمية، وهو ما منح نصوصها بعدا فكريا واضحا دون أن يفقدها طاقتها التخيلية. فالرواية عندها ليست مجرد حكاية، بل شكل من أشكال التفكير في الإنسان والتاريخ والمعنى. وربما لهذا السبب بدت أعمالها قابلة لهذا النوع من القراءات التأويلية التي حاولت الندوة الاشتغال عليها.
هذا وقد عكست الندوة رغبة متزايدة داخل الجامعة التونسية في الانفتاح على النصوص الأدبية المعاصرة والتفاعل معها بوصفها جزءا من التحولات الفكرية والثقافية الجارية، لا مجرد مادة للدرس الأكاديمي المعزول عن أسئلة الواقع.
تقليد ثقافي ضروري
لقد كان لقاء االسرد والتاريخ والتأويلب أكثر من مجرد احتفاء بروائية تونسية حققت حضورا عربيا لافتا، لقد مثّل دفاعا عن فكرة الثقافة الحيّة التي تواكب التجارب وهي تتشكل، وأبرز أهمية أن تنصت المؤسسات الأكاديمية لما يُكتب الآن، لا لما أصبح جزءا من الأرشيف فقط.
وإذا كانت أميرة غنيم قد نجحت في فرض اسمها داخل المشهد الروائي العربي بفضل كتابة تجمع الحسّ الجمالي بالعمق الفكري، فإنّ هذه الندوة أكدت أيضا حاجة الحياة الثقافية التونسية إلى مزيد من اللقاءات التي تجعل من الأدب فضاءً للحوار بين المعارف والتخصصات، لا مجرد مناسبة للاحتفاء العابر.
في وداع الفيلسوف الفرنسي “ادغار موران”: قاوم كل أشكال الدوغمائية الفكرية والإيديولوجية، وبحث عن فهم أكثر تعقيداً للإنسان والعالم
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي تمثّل سيرة إدغار موران واحدة من أكثر المس…
