2026-04-19

بين التحسن والتراجع: تذبذب مردودية قطاع الفسفاط يفرض إصلاحًا هيكليًا عاجلًا

يشهد قطاع الفسفاط في تونس خلال الفترة الأخيرة حالة واضحة من التذبذب في الأداء الاقتصادي، حيث تتقاطع مؤشرات التحسن الظرفي مع مؤشرات التراجع السريع، ما يعكس عدم استقرار في نسق الإنتاج والتصدير.

فبعد أن سجلت صادرات الفسفاط ومشتقاته ارتفاعًا بنحو 15% خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024 التي شهدت انكماشًا حادًا بلغ 26.3%، عادت المؤشرات خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 لتُظهر بداية تراجع جديد في الصادرات، وهو ما يؤكد أن التحسن المسجل لم يكن تحولًا هيكليًا بل مجرد انتعاش مؤقت داخل مسار غير مستقر.

من الناحية الاقتصادية، يعكس هذا التباين ضعف القدرة على تثبيت النمو في قطاع استراتيجي يفترض أن يكون مصدرًا ثابتًا للعملة الصعبة. فالأرقام تظهر أن القطاع لا يتحرك في اتجاه تصاعدي منتظم، بل في شكل موجات متعاقبة: تراجع حاد في 2024 بنسبة 26.3%، ثم انتعاش في 2025 بنسبة 15%، ثم بداية انكماش مجدد في 2026. هذا النمط من التذبذب يعني أن القيمة المضافة للصادرات لا تتراكم بشكل مستمر، بل تتآكل جزئيًا مع كل اضطراب في الإنتاج أو النقل أو التصدير.

وتكشف المعطيات الإنتاجية بدورها حدود هذا الأداء، إذ لم يتم بلوغ الأهداف المسطرة، حيث بلغ الإنتاج في بعض الفترات حوالي 825 ألف طن خلال ربع سنة، مقابل هدف يناهز مليون طن، أي بعجز يقارب 17.5%. ويعكس هذا الفارق بين المخطط والمنجز وجود صعوبات في السلسلة الإنتاجية نفسها، وليس فقط تقلبًا في الطلب الخارجي، ما يعني أن القدرة التشغيلية لا تعمل بكامل طاقتها.

وعلى المستوى الداخلي، يرتبط تذبذب إنتاج قطاع الفسفاط بثلاثة اختلالات رئيسية مترابطة. أولها ضعف استمرارية الإنتاج داخل المناجم، حيث تؤدي التوقفات المتكررة إلى فقدان جزء من القدرة التصديرية. ثانيها اختلال منظومة النقل، خاصة على مستوى السكك الحديدية ونقل الفسفاط من مناطق الاستخراج إلى وحدات التحويل والموانئ، وهو ما يسبب تأخيرًا في تلبية العقود التصديرية ويؤثر على حجم الصادرات الفعلية. ثالثها محدودية البنية التحتية الصناعية واللوجستية، بما في ذلك الطاقة الاستيعابية للمغاسل ووحدات التحويل، وهو ما يحد من تحويل الإنتاج الخام إلى صادرات ذات قيمة مضافة.

ورغم هذه القيود، تم تسجيل بعض الإجراءات التصحيحية التي ساهمت في تحسين مؤقت للأداء خلال سنة 2025، من بينها إدخال تجهيزات جديدة للشحن والنقل بقيمة تقارب 60 مليون دينار، وإعادة تشغيل بعض الوحدات الإنتاجية، وتحسين تزويد المغاسل بالفسفاط الخام. كما تم اعتماد وسائل نقل بديلة عبر الشاحنات داخل الحوض المنجمي لتعويض جزئي عن ضعف النقل الحديدي، إضافة إلى صيانة بعض الشبكات الحيوية. غير أن تأثير هذه الإجراءات ظل محدودًا لأنها تعالج بعض الاخلالات بشكل ظرفي دون إحداث تغيير هيكلي دائم.

وعلى المستوى الخارجي، يتأثر القطاع بتقلبات السوق العالمية، حيث يرتبط الطلب على الفسفاط بأسعار الطاقة ومستوى الطلب على الأسمدة، إضافة إلى المنافسة القوية من دول منتجة كبرى. لكن التحليل الاقتصادي يُظهر أن هذا العامل الخارجي لا يفسر وحده التذبذب، لأن الدول المنافسة، ولا سيما المغرب، تستفيد من استقرار إنتاجي أكبر يسمح لها بتحويل تقلبات السوق إلى فرص، بينما يبقى تأثيرها على تونس مضاعفًا بسبب هشاشة الداخل.

وفي سياق إدراك الدولة لأهمية هذا القطاع الاستراتيجي، تم وضع برنامج وطني لتطوير إنتاج ونقل وتحويل الفسفاط خلال الفترة 2025-2030. ويهدف هذا البرنامج إلى رفع الإنتاج تدريجيًا بمعدل يقارب 1.5 مليون طن سنويًا، وتحسين تشغيل مصانع المجمع الكيميائي التونسي لتصل إلى 80% من طاقتها الإنتاجية بحلول سنة 2028. كما تطمح الخطة إلى بلوغ إنتاج يقارب 14 مليون طن سنويًا في أفق 2030، مع رفع الطاقة التصديرية تدريجيًا من 300 ألف طن في بداية المرحلة إلى حوالي مليون طن في نهايتها.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مشروطًا بإعادة هيكلة عميقة لمنظومة الإنتاج والنقل، لأن الفجوة الحالية بين الإمكانيات والنتائج تؤكد أن المشكلة لا تتعلق بندرة الموارد الطبيعية، بل بكفاءة استغلالها واستمرارية تشغيلها.

عموما يظهر قطاع الفسفاط في تونس كقطاع استراتيجي يعاني من تذبذب واضح، ما يجعله غير مستقر في مساهمته في النمو والميزان التجاري. واستمرار هذا الوضع يعني أن مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني ستظل محدودة ما لم يتم الانتقال من إصلاحات جزئية إلى إصلاح هيكلي شامل يضمن استقرار الإنتاج ورفع القيمة المضافة بشكل دائم.

‫شاهد أيضًا‬

تونس ثالثة مغاربيًا في مؤشر الازدهار 2026: توازن إقتصادي و إجتماعي رغم بعض الصعوبات الظرفية

احتلت تونس المرتبة الثالثة مغاربيًا وفقًا لتقرير (HelloSafe Prosperity Index 2026) الصادر …