سفيان بن فرحات في بيت الرواية: الأحزان الكبيرة تكون عادةً صامتةً
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
انتظم لقاء مؤخرا ببيت الرواية مع الصحفي والكاتب سفيان بن فرحات في بيت الرواية حول روايته” أبا أبا حجر المسّ” (Abba Abba La Pierre de Convoitise ) الصادرة عن أركاديا ( 2026) ، أداره باقتدار الشاعر والاعلامي والناشر وليد الفرشيشي الذي طرح عليه جملة من الأسئلة للاقتراب من العالم الروائي لكاتب يرى أنّ الانسان كائنٌ حكّاءٌ يروى خرافات، ومهما تبدّلت المحامل تبقى هناك حاجة للقصّة وللحكاية، ويشدّد على أنّ الكتابة خطيرة؛ فلقد خلق الله الكون بحرفين: كُنْ ( الكاف والنون).
عن سؤال لماذا اختار عنوان “أبا أبا “الذي يحمل إحالة على صلب المسيح وصرخته الأخيرة “إلهي إلهي لما تركتني “، بدأ بن فرحات بالقول أنّ الرواية تدور وقائعها في قرية تكرونة البربرية مع تأثيرات عربية أندلسية يشهد عنها ألقاب بعض عائلاتها. وأضاف قائلا أنّ القرية تملك سحرا أحسّ به من خلال حادثتين. التقى بن فرحات بشيخ من أولاد سعيد، قبيلة من أشرس القبائل بالإضافة إلى دريد، الذين كانوا يملكون هنشير النفيضة، من أكبر الضيعات في العالم ، افتكّه الصادق باي ثم أُعطي لخير الدين وباعه هذا الأخير لشركة فرنسية. الشيخ لا يزال يحتفظ بآلام الاقتلاع.
أمّا الحادثة الثانية فتتمثّل في حدود انهيار في الجبل سنة 2022 ، ومنع الأهالي من الصعود فأراد أن يكتب عن تكرونة حتى نحميها من الانهيارات التي تحدث كل عشرين أو ثلاثين سنة. وحين زارها لهذا الغرض وتحدّث مع الناس وجدَهُم مثلهم مثل السيد المسيح عليه السلام الذي مشى في درب الالام، ولكن في صمت. وبالنسبة إلى بن فرحات فإنّ الجراح الكبيرة عادةً ما تكون صامتة. وهي خصلة، أي تحمّل الألم الكبير في صمت، يمتلكها الفلاح التونسي، وجميع شخصيات الرواية يحملون صلبانهم على ظهورهم، لذلك كان العنوان استدعاء لصرخة السيّد المسيح.
وعن سؤال حضور الواقعية السحرية في أدبه، قال بن فرحات أنّ رواية
” القط والمشرط” مثلا، هي رواية واقعية ولكن فيها جرعات من الواقعيّة السحرية عبر شخصيتين: شخصية “صابرة” التي ُولدت يَطُوف بها طائر النعام وهي شخصية قويّة طغت على كاتبها حتّى اضطرّ أن يُدخلها في غيبوبة، وكذلك شخصية “ليما” التي تزوّجت رجلا بعد الثورة وخاب أملها من تحوّلاته فقرّرت أن تعيش عزلتها الكبرى على تخوم تونس في البواخر وفي الجزر مع العلم أن تونس بها 60 جزيرة. في رواية” أبا أبا حجر المسّ” اعتمد بن فرحات أكثر على الواقعية السحرية عبر شخصية واقعية وغير واقعية هي شخصية “حبيبة”. حدث طاعون كبير في مدينة النفيضة سنة 1962 . مات الآلاف ووقع تعقيم الحمّامات وذات نهار خرجت امرأة جميلة جدا من الحمام لم يفقدها الزمن جمالها وهي مجازٌ عن تونس، فهي تملك مغارة جمعت بها كل الأوشام البربرية، بصمتها التّي تدلّ عليها . من 1962 إلى 2022، زمن وقائع الرواية بقيت كما هي، شابةٌ لم تهرم.
وأضاف بن فرحات بالقول أنّ واقعنا سحري. الانسان يريد أن يكون عقلانيا ولكن في الواقع وفي الأحلام يخاطبك الغيب. والواقعية السحرية ليست زخرفا أدبيّا، بل الواقع مليء بها. مثلا، التقى بقارئة مغربية حدّثته عن غراب يأتي ليدقّ على نافذتها وتلك إشارة إلى أنّ أحدا ما سيموت من عائلتها.
وقال بن فرحات أنّ الواقعيّة السحرية تعجبه كمدرسة لأنّها تترجم الانسان الخام الذي يخاف من الطبيعة ويؤمن ويتبارك بأشياء. وأوّل من كتب فيها هو التونسي الجزائري أبولوس في كتابه ” التحوّلات أو الحمار الذهبي”، عن رجل يتحوّل إلى حمار بسبب خطأ في مقادير الوصفة السحرية ويعيش مغامرات كثيرة في محاولته للعودة إنسانا كما كان. وقد روى القدّيس أوغسطين أنّ هذه الحكايات كانت منتشرة في قرطاج ففي بعض الحانات التي يدخلها الطلبة بقرطاج يقدّمون لهم مشروبا يحوّلهم إلى أحمرة تحتفظ بوعيها الانساني و تُستعمل لنقل السلع . وقد تحدّث بن فرحات عن هذه الرواية وعن القدّيس أوغسطين في روايته ” رملة قلب الليمون” الصادرة عن دار حكايات في نفس العام 2026، والتّي هي مديح للأدب.
وعن سؤال علاقة الرواية بالتاريخ، أجاب بن فرحات بالقول أنّ المؤرخ الحقيقي هو الروائي. فما نعرفه عن الثورة المصرية والثورة الروسية ندين به لنجيب محفوظ ودوستفسكي وتشيخوف. كما أنّنا سنعرف الكثير عن الحوض المنجمي بقراءة “الدقلة في عراجينها” للبشير خريف. وبقراءة ” برق الليل” سنعرف الكثير عن الاحتلال الاسباني لتونس. وعن هزيمة نابليون في روسيا لم يكتب أحد مثلما كتب تولستوي في ” الحرب والسلم” وشاتوبريون في “مذكرات ما وراء القبر”.
وشدّد بن فرحات على أنّ لا أحد يضاهي المؤرخ الحقيقي. ولكن الأدب يعيد صياغة التاريخ والواقع حتّى أنّ بقدرة الأسطورة أن تتحوّل إلى تاريخ، كما حدث مع عليسة وجلد الثور. وهناك الكثير من الشخصيات التي خرجت من الخيال إلى الواقع: برق الليل وجحا والحاج كلوف وجون فلجان.
ويرى بن فرحات أنّ الكتابة خطيرة جدا. فالله خلق الكون بحرفين ( كن). والرواية تشتغل على ثلاثة أشياء: الشخصيات ،الأفعال والعواطف والأفكار. والعواطف أربع عواطف أساسيّة: الخبل، الحزن، السعادة والخوف. والأدب ليس تاريخا أو سوسيولوجيا. ومن الممكن أن تستلهم من التاريخ، كما حدث في رواية ” القط والمشرط”، إذ استلهم بن فرحات من كتاب المشرع الملكي شخصية “ميرة العكري ” الذّي زوّجها جماعة وسلات لعلي باشا حين استنجد بهم في الحرب الباشية الحسينية، وجعلها جدّة لصابرة، حاربت الاستعمار الفرنسي ولم تنزل من صهوة جوادها. الأدب بالنسبة إلى بن فرحات ليس محاكاة، بل إعادة صياغة للواقع من منظور يرتفع به حين يمتلك الكاتب ما يسميّه سارتر بالوعي المُحلّق التأملّي La conscience de survol contemplatif ، تماما مثل شخصية “البارون ساكن الأشجار” في رواية ايتالو كلفينو.
ثلاثة إصدرات جديدة عن دار مسكلياني للنشر : ” ليلة رأفت الهجان”، “الغروب الخالد” و”شيزوفرينيا”
الصحافة اليوم: كمال الهلالي من أحدث اصدارت دار مسكلياني للنشر نشير …
