2026-04-25

التجارة البينية الإفريقية: تونس تتمتع بإمكانات تصدير غير مستغلة تقدّر بنحو 2,28 مليار دولار

تكشف المعطيات الاقتصادية الحديثة أن تونس تمتلك إمكانات تصدير غير مستغلة نحو القارة الإفريقية تُقدَّر بحوالي 2.28 مليار دولار، موزعة على 36 سوقاً إفريقية وتشمل نحو 2999 فرصة تصدير مرتبطة بحوالي 590 منتج. وهذا الرقم لا يعكس مجرد «فرصة مهدورة بل يترجم وجود طاقة تجارية كبيرة يمكن أن تعيد رسم موقع الاقتصاد التونسي داخل الفضاء الإفريقي إذا تم استغلالها بالشكل المطلوب. غير أن الفجوة بين هذه الإمكانات والواقع الفعلي تبقى واضحة، وهو ما يجعل فهم توزيع هذه الفرص خطوة أساسية قبل تحليل أسباب ضعف الاستفادة منها».

جغرافياً، يظهر أن أكثر من 53 بالمائة من الفرص تتمركز في شمال إفريقيا، خصوصاً في الجزائر وليبيا والمغرب، مما يعكس استمرار العلاقات التجارية التقليدية مع هذه الأسواق القريبة. ويفسر هذا القرب الجغرافي والاقتصادي جزئياً هذا التمركز، لكنه في الوقت نفسه يكشف محدودية التوسع نحو أسواق أوسع. وفي المقابل، يستحوذ غرب إفريقيا على 1072 فرصة تصدير، موزعة على دول مثل نيجيريا وغانا وكوت ديفوار والسينغال. الأمر الذي يدل على وجود سوق ضخمة لكنها أقل استغلالاً مقارنة بالإمكانات الفعلية.

وبالانتقال إلى شرق وجنوب القارة، تتضح فرص أقل عدداً لكنها ذات قيمة استراتيجية مهمة، خاصة في كينيا وموريشيوس وجنوب إفريقيا، إلى جانب فرص في إفريقيا الوسطى، لا سيما أنغولا. ويوضح هذا التوزيع أن الأسواق الإفريقية ليست متجانسة، بل تتطلب برامج عمل مختلفة حسب كل منطقة، سواء من حيث طبيعة الطلب أو شروط النفاذ أو حتى مستوى المنافسة. وبالتالي فإن التفاوت في الأرقام بين 36 سوقاً يعكس أيضاً تفاوتاً في درجة الانفتاح التجاري والتكامل الاقتصادي.

وعلى أرض الواقع، هذا التنوع في الفرص لا يقابله استغلال فعلي بنفس المستوى، وهو ما يرتبط بجملة من الصعوبات والتحديات . أول هذه الصعوبات تتمثل في ارتفاع كلفة النقل والخدمات اللوجستية مقابل المردوية المالية، حيث يمكن أن لا يغطي السعر عند التصدير الكلفة الحقيقية للمنتوج، ما يقلص القدرة التنافسية أمام منتجات منافسة من دول أخرى. وهذا من شأنه ان ينعكس مباشرة على حجم الصادرات الفعلية رغم توفر الطلب في العديد من الأسواق.

إلى جانب ذلك، تمثل الإجراءات الديوانية والإدارية عاملاً إضافياً يثقل كلفة عملية التصدير ومدتها. فكل تأخير في الإجراءات يعني ارتفاعاً في الكلفة الزمنية والمالية، وهو ما يضعف كاهل المؤسسات التصديرية، خاصة الصغرى والمتوسطة منها. كما يلعب عامل محدودية اندماج السوق التونسية في الاقتصاد الإفريقي عاملا إضافياً، حيث لا تزال المبادلات البينية بين تونس وبلدان القارة الإفريقية دون المستوى رغم وجود إطار مثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

وفي السياق نفسه، يبرز نقص المعلومات الدقيقة حول الأسواق كعامل معنوي مهم يؤثر على قرارات التصدير. فغياب البيانات الكافية حول حجم الطلب والمنافسة وشروط الدخول إلى الأسواق يجعل التوجه نحو إفريقيا محفوفاً بعدم اليقين، رغم وجود ما يقارب 2999 فرصة موثقة رقمياً. وهذا التناقض بين وفرة الفرص وضعف استغلالها يعكس فجوة في المعرفة الاقتصادية أكثر مما يعكس نقصاً في الإمكانيات.

وعلى هذا الأساس، يتطلب الأمر تطبيق مقاربة متكاملة تبدأ من تحسين البنية التحتية اللوجستية لتقليص الكلفة التي تؤثر بشكل مباشر على القدرة التنافسية، مروراً بتبسيط الإجراءات الديوانية لتسريع وتيرة التصدير، وصولاً إلى توفير بيانات واضحة وشفافة عن طبيعة الأسواق الإفريقية. كما أن دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة يمثل عنصراً محورياً لكسب هذا الرهان ، باعتبارها تمثل الجزء الأكبر من النسيج الإنتاجي والمصدر في الوقت ذاته.

ومن هذا المنطلق، يتضح أن الإمكانات المقدرة بـ2.28 مليار دولار ليست مجرد رقم اقتصادي، بل هي انعكاس لطاقة غير مستغلة داخل فضاء يضم 36 سوقاً و2999 فرصة. غير أن تحويل هذا الرقم إلى واقع فعلي يتطلب دراسة شاملة لكل الإشكاليات المطروحة. وفقط مع معالجة هذه العوائق المذكورة، يمكن أن يتحول الحضور التونسي في إفريقيا من حضور محدود إلى حضور اقتصادي فاعل.

‫شاهد أيضًا‬

بين التحسن والتراجع: تذبذب مردودية قطاع الفسفاط يفرض إصلاحًا هيكليًا عاجلًا

يشهد قطاع الفسفاط في تونس خلال الفترة الأخيرة حالة واضحة من التذبذب في الأداء الاقتصادي، ح…