«بيـّت الحسّ» لليلى بوزيد في عرضه الأوّل بقاعة الريو بالعاصمة: فـيـلـم يـجـبـر الـمـتـفـرّج عـلـى مـنـاقـشـتـه
تحتضن قاعة الريو مساء اليوم الأربعاء 29 أفريل الجاري العرض الأول في تونس لفيلم ابيت الحسّب للمخرجة ليلى بوزيد، بحضور فريق العمل، في موعد يُنتظر أن يتجاوز طابعه الاحتفالي ليُفتح على نقاش طالما رافق الفيلم منذ مشاركته في مهرجان برلين السينمائي الدولي. فـابيت الحسّب ليس مجرد عمل جديد في رصيد بوزيد، بل تجربة سينمائية تضع المتفرّج أمام أسئلة شائكة حول الهوية والحرية وحدود تمثيل الحميمي في مجتمع مأزوم بتناقضاته.
ينطلق الفيلم من عودة ليليا، المهندسة التونسية المقيمة في فرنسا، إلى منزل جدتها في المنستير إثر مقتل خالها في ظروف غامضة. غير أنّ هذه العودة، التي تبدو في ظاهرها عائلية، سرعان ما تتخذ طابعًا أكثر تعقيدًا حين تصل ليليا مرفوقة بأليس، شريكتها العاطفية. داخل هذا الفضاء المغلق، حيث تتجاور الأجيال وتتقاطع الذاكرات، يتحوّل البيت إلى مرآة مكثفة لمجتمع بأكمله، تحكمه قواعد غير مكتوبة، ويخضع لتوازن هشّ بين ما يُقال وما يُخفى.
تعتمد ابوزيدب بناءً سرديًا يستلهم طقوس الحداد (االفرقب)، حيث يتجاور الموت والحب في بنية واحدة، في إحالة إلى تلازم إيروس وتاناتوس. ويمنح هذا التوازي الفيلم عمقه الدلالي فكما لا يملك الإنسان رفض الموت، لا يملك أيضًا إنكار الحب، مهما كان شكله أو موضوعه.
شاعرية الحميمية وحدود الخطاب
في مستواه الأكثر صدقًا، يقدّم ابيت الحسّب فيلمًا حميميًا رقيقًا، يلتقط العلاقة بين ليليا وأليس بكياسة، بعيدًا عن المباشرة أو الاستفزاز المجاني. بعض مشاهده ذ كقبلة مسروقة في حديقة الفيلا فيما تدور مراسم العزاء في الداخل ذ تختزل هذا التوتر بين الداخل والخارج، بين ما يُعاش سرًا وما يُفرض علنًا. وهنا تستعيد بوزيد قدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لحظات دلالية كثيفة، حيث يتكلم الصمت بقدر ما تفعل الكلمات.
غير أنّ الفيلم لا يلبث أن ينزلق، في لحظات أخرى، نحو خطاب توضيحي مباشر. فالتحقيق الذي تقوده ليليا في ملابسات مقتل خالها يبدو هشًّا دراميًا، وكأنّه ذريعة لاستعراض مواقف المجتمع من المثلية. كما أنّ بعض الحوارات، سواء داخل العائلة أو في الفضاء العام، تميل إلى التفسير بدل الإيحاء، فتُثقِل إيقاع الفيلم وتحدّ من قوته العاطفية. هذه الازدواجية بين شاعرية الحميمي ورغبة في قول كل شيء دفعة واحدة تشكّل إحدى أبرز سمات العمل، كما كانت منطلقًا لعدد من القراءات النقدية المتباينة.
نساء البيت: بين الرفض والاحتواء
يحافظ الفيلم على تماسكه في رسم شخصيات نسائه، حيث تتجلّى واحدة من نقاط قوته الأساسية. فالجدة، الغارقة في ذاكرة تتآكل، (قامت بالدوربسلمى بكارب تمثل جيلاً يوشك على الأفول، يتشبث بمكانه في صالون البيت؛ والأم (في أداء لافت لهيام عباس) تتأرجح بين القبول والإنكار، بين غريزة الحماية وثقل الأعراف؛ أما الخالتان فتخفيان رفضهما خلف خطاب يبدو في ظاهره حريصًا، لكنه محكوم بالخوف من تكرار مأساة الخال.
وتنجح ابوزيدب في هذه العلاقات المتشابكة، في بناء لعبة مرايا بين الماضي والحاضر، حيث يصبح مصير الخال ذ المعروف بميوله المثلية ذ ظلًا يخيّم على علاقة ليليا، ويحوّل الحب إلى تجربة محفوفة بالقلق.
جدل التمثيل: بين المحلي والعين الخارجية
لم يمرّ ابيت الحسّب دون جدل، خاصة بعد عرضه في برلين، حيث انقسمت القراءات بين من رأى فيه جرأة ضرورية في طرح موضوع لا يزال محاطًا بالصمت، ومن اعتبره واقعًا في فخّ تمثيل الحكاية بعين خارجية، أقرب إلى الحساسية الأوروبية منها إلى تعقيدات الواقع المحلي. وقد ذهب بعض النقاد إلى اعتبار الفيلم مثالًا على اتكييفب الموضوعات العربية بما يتلاءم مع ذائقة مهرجانية، في حين دافع آخرون عن حق السينما في مساءلة مجتمعاتها من داخل تناقضاتها، حتى وإن بدت تلك المساءلة صادمة. وويكشف هذا الجدل، في حد ذاته، أهمية الفيلم، لا بصفته إجابة نهائية، بل باعتباره سؤالًا مفتوحًا حول من يملك حق السرد، وكيف تُروى الحكايات حين تتقاطع الثقافات والمرجعيات.
محطة جديدة في مسار ليلى بوزيد
يأتي ابيت الحسّب امتدادًا لمسار ليلى بوزيد، التي انشغلت منذ اعلى حلّة عينيب بأسئلة الحرية والجسد والهوية. غير أنّ هذا العمل يبدو أكثر تردّدًا بين الرغبة في الشعرية والحاجة إلى التوضيح، بين الثقة بالصورة والخشية من سوء الفهم. ومع ذلك، يظلّ الفيلم وفيًّا لرهان بوزيد الأساسي وهو جعل الحميمي مدخلاً للسياسي، والذاتي مرآة للجماعي.
العرض الأول في قاعة الريو ليس مجرّد مناسبة لمشاهدة فيلم، بل فرصة لفتح حوار مباشر مع فريقه حول رهاناته وأسئلته. فـابيت الحسّب، بما يحمله من توتر بين الحسّ والخطاب، بين الجرأة والتردد، يضع المتفرّج أمام مرآة قد لا تكون مريحة، لكنها ضرورية.
يظلّ الفيلم في النهاية تجربة سينمائية تقف على تخوم الالتباس: بين بيتٍ يحتضن ذاكرة مثقلة، وحسّ يبحث عن خلاصه. وربما في هذا الالتباس تحديدًا تكمن قيمته، بوصفه عملاً لا يكتفي بأن يُشاهَد، بل يطالب بأن يُناقَش.
الدورة السادسة من المهرجان الدّولي للمسرح في الصحراء: من كرنفال الإفتتاح إلى أنثروبولوجيا المسرح
في قلب الجنوب التونسي، وتحديدًا بقرية القلعة من ولاية قبلي، تنطلق ال…
