2026-04-29

«بيـّت الحسّ» لليلى بوزيد في عرضه الأوّل بقاعة الريو بالعاصمة: فـيـلـم يـجـبـر الـمـتـفـرّج عـلـى مـنـاقـشـتـه

تحتضن‭ ‬قاعة‭ ‬الريو‭ ‬مساء‭  ‬اليوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬29‭ ‬أفريل‭ ‬الجاري‭ ‬العرض‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لفيلم‭ ‬ابيت‭ ‬الحسّب‭ ‬للمخرجة‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد،‭ ‬بحضور‭ ‬فريق‭ ‬العمل،‭ ‬في‭ ‬موعد‭ ‬يُنتظر‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬طابعه‭ ‬الاحتفالي‭ ‬ليُفتح‭ ‬على‭ ‬نقاش‭ ‬طالما‭ ‬رافق‭ ‬الفيلم‭ ‬منذ‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي‭. ‬فـابيت‭ ‬الحسّب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عمل‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬رصيد‭ ‬بوزيد،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬تضع‭ ‬المتفرّج‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬شائكة‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬والحرية‭ ‬وحدود‭ ‬تمثيل‭ ‬الحميمي‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬مأزوم‭ ‬بتناقضاته‭.‬

ينطلق‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬ليليا،‭ ‬المهندسة‭ ‬التونسية‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬جدتها‭ ‬في‭ ‬المنستير‭ ‬إثر‭ ‬مقتل‭ ‬خالها‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬العودة،‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬عائلية،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتخذ‭ ‬طابعًا‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬حين‭ ‬تصل‭ ‬ليليا‭ ‬مرفوقة‭ ‬بأليس،‭ ‬شريكتها‭ ‬العاطفية‭. ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬المغلق،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬الأجيال‭ ‬وتتقاطع‭ ‬الذاكرات،‭ ‬يتحوّل‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬مكثفة‭ ‬لمجتمع‭ ‬بأكمله،‭ ‬تحكمه‭ ‬قواعد‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة،‭ ‬ويخضع‭ ‬لتوازن‭ ‬هشّ‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬وما‭ ‬يُخفى‭.‬

تعتمد‭ ‬ابوزيدب‭ ‬بناءً‭ ‬سرديًا‭ ‬يستلهم‭ ‬طقوس‭ ‬الحداد‭ (‬االفرقب‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتجاور‭ ‬الموت‭ ‬والحب‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬واحدة،‭ ‬في‭ ‬إحالة‭ ‬إلى‭ ‬تلازم‭ ‬إيروس‭ ‬وتاناتوس‭. ‬ويمنح‭ ‬هذا‭ ‬التوازي‭ ‬الفيلم‭ ‬عمقه‭ ‬الدلالي‭ ‬فكما‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الإنسان‭ ‬رفض‭ ‬الموت،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أيضًا‭ ‬إنكار‭ ‬الحب،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شكله‭ ‬أو‭ ‬موضوعه‭.‬

شاعرية‭ ‬الحميمية‭ ‬وحدود‭ ‬الخطاب

في‭ ‬مستواه‭ ‬الأكثر‭ ‬صدقًا،‭ ‬يقدّم‭ ‬ابيت‭ ‬الحسّب‭ ‬فيلمًا‭ ‬حميميًا‭ ‬رقيقًا،‭ ‬يلتقط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬ليليا‭ ‬وأليس‭ ‬بكياسة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬الاستفزاز‭ ‬المجاني‭. ‬بعض‭ ‬مشاهده‭ ‬ذ‭ ‬كقبلة‭ ‬مسروقة‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الفيلا‭ ‬فيما‭ ‬تدور‭ ‬مراسم‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬ذ‭ ‬تختزل‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يُعاش‭ ‬سرًا‭ ‬وما‭ ‬يُفرض‭ ‬علنًا‭. ‬وهنا‭ ‬تستعيد‭ ‬بوزيد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬لحظات‭ ‬دلالية‭ ‬كثيفة،‭ ‬حيث‭ ‬يتكلم‭ ‬الصمت‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تفعل‭ ‬الكلمات‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬ينزلق،‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬أخرى،‭ ‬نحو‭ ‬خطاب‭ ‬توضيحي‭ ‬مباشر‭. ‬فالتحقيق‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬ليليا‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬مقتل‭ ‬خالها‭ ‬يبدو‭ ‬هشًّا‭ ‬دراميًا،‭ ‬وكأنّه‭ ‬ذريعة‭ ‬لاستعراض‭ ‬مواقف‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬المثلية‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الحوارات،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬العائلة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬التفسير‭ ‬بدل‭ ‬الإيحاء،‭ ‬فتُثقِل‭ ‬إيقاع‭ ‬الفيلم‭ ‬وتحدّ‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬العاطفية‭. ‬هذه‭ ‬الازدواجية‭ ‬بين‭ ‬شاعرية‭ ‬الحميمي‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬تشكّل‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬سمات‭ ‬العمل،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬منطلقًا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬القراءات‭ ‬النقدية‭ ‬المتباينة‭.‬

نساء‭ ‬البيت‭: ‬بين‭ ‬الرفض‭ ‬والاحتواء

يحافظ‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬تماسكه‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬شخصيات‭ ‬نسائه،‭ ‬حيث‭ ‬تتجلّى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬قوته‭ ‬الأساسية‭. ‬فالجدة،‭ ‬الغارقة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬تتآكل،‭ (‬قامت‭ ‬بالدوربسلمى‭ ‬بكارب‭ ‬تمثل‭ ‬جيلاً‭ ‬يوشك‭ ‬على‭ ‬الأفول،‭ ‬يتشبث‭ ‬بمكانه‭ ‬في‭ ‬صالون‭ ‬البيت؛‭ ‬والأم‭ (‬في‭ ‬أداء‭ ‬لافت‭ ‬لهيام‭ ‬عباس‭) ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬القبول‭ ‬والإنكار،‭ ‬بين‭ ‬غريزة‭ ‬الحماية‭ ‬وثقل‭ ‬الأعراف؛‭ ‬أما‭ ‬الخالتان‭ ‬فتخفيان‭ ‬رفضهما‭ ‬خلف‭ ‬خطاب‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬حريصًا،‭ ‬لكنه‭ ‬محكوم‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬مأساة‭ ‬الخال‭.‬

وتنجح‭ ‬ابوزيدب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬المتشابكة،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬لعبة‭ ‬مرايا‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬مصير‭ ‬الخال‭ ‬ذ‭ ‬المعروف‭ ‬بميوله‭ ‬المثلية‭ ‬ذ‭ ‬ظلًا‭ ‬يخيّم‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬ليليا،‭ ‬ويحوّل‭ ‬الحب‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالقلق‭.‬

جدل‭ ‬التمثيل‭: ‬بين‭ ‬المحلي‭ ‬والعين‭ ‬الخارجية

لم‭ ‬يمرّ‭ ‬ابيت‭ ‬الحسّب‭ ‬دون‭ ‬جدل،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬عرضه‭ ‬في‭ ‬برلين،‭ ‬حيث‭ ‬انقسمت‭ ‬القراءات‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬جرأة‭ ‬ضرورية‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬موضوع‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محاطًا‭ ‬بالصمت،‭ ‬ومن‭ ‬اعتبره‭ ‬واقعًا‭ ‬في‭ ‬فخّ‭ ‬تمثيل‭ ‬الحكاية‭ ‬بعين‭ ‬خارجية،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الحساسية‭ ‬الأوروبية‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬تعقيدات‭ ‬الواقع‭ ‬المحلي‭. ‬وقد‭ ‬ذهب‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬الفيلم‭ ‬مثالًا‭ ‬على‭ ‬اتكييفب‭ ‬الموضوعات‭ ‬العربية‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬ذائقة‭ ‬مهرجانية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬دافع‭ ‬آخرون‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬تناقضاتها،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬تلك‭ ‬المساءلة‭ ‬صادمة‭. ‬وويكشف‭ ‬هذا‭ ‬الجدل،‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬أهمية‭ ‬الفيلم،‭ ‬لا‭ ‬بصفته‭ ‬إجابة‭ ‬نهائية،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬سؤالًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬السرد،‭ ‬وكيف‭ ‬تُروى‭ ‬الحكايات‭ ‬حين‭ ‬تتقاطع‭ ‬الثقافات‭ ‬والمرجعيات‭.‬

محطة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد

يأتي‭ ‬ابيت‭ ‬الحسّب‭ ‬امتدادًا‭ ‬لمسار‭ ‬ليلى‭ ‬بوزيد،‭ ‬التي‭ ‬انشغلت‭ ‬منذ‭ ‬اعلى‭ ‬حلّة‭ ‬عينيب‭ ‬بأسئلة‭ ‬الحرية‭ ‬والجسد‭ ‬والهوية‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬تردّدًا‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الشعرية‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التوضيح،‭ ‬بين‭ ‬الثقة‭ ‬بالصورة‭ ‬والخشية‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يظلّ‭ ‬الفيلم‭ ‬وفيًّا‭ ‬لرهان‭ ‬بوزيد‭ ‬الأساسي‭ ‬وهو‭ ‬جعل‭ ‬الحميمي‭ ‬مدخلاً‭ ‬للسياسي،‭ ‬والذاتي‭ ‬مرآة‭ ‬للجماعي‭.‬

العرض‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬الريو‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬مناسبة‭ ‬لمشاهدة‭ ‬فيلم،‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬لفتح‭ ‬حوار‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬فريقه‭ ‬حول‭ ‬رهاناته‭ ‬وأسئلته‭. ‬فـابيت‭ ‬الحسّب،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬توتر‭ ‬بين‭ ‬الحسّ‭ ‬والخطاب،‭ ‬بين‭ ‬الجرأة‭ ‬والتردد،‭ ‬يضع‭ ‬المتفرّج‭ ‬أمام‭ ‬مرآة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مريحة،‭ ‬لكنها‭ ‬ضرورية‭.‬

يظلّ‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬الالتباس‭: ‬بين‭ ‬بيتٍ‭ ‬يحتضن‭ ‬ذاكرة‭ ‬مثقلة،‭ ‬وحسّ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬خلاصه‭. ‬وربما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الالتباس‭ ‬تحديدًا‭ ‬تكمن‭ ‬قيمته،‭ ‬بوصفه‭ ‬عملاً‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يُشاهَد،‭ ‬بل‭ ‬يطالب‭ ‬بأن‭ ‬يُناقَش‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة السادسة من المهرجان الدّولي للمسرح في الصحراء: من كرنفال الإفتتاح إلى أنثروبولوجيا المسرح

في‭ ‬قلب‭ ‬الجنوب‭ ‬التونسي،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬بقرية‭ ‬القلعة‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬قبلي،‭ ‬تنطلق‭ ‬ال…