2026-05-02

في‭ ‬عيدهم‭ ‬العالمي‭…‬ العمال‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عالم‭ ‬يتغير‭ ‬بلا‭ ‬هوادة

يأتي‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬ماي‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬محمّلاً‭ ‬برمزيته‭ ‬التاريخية‭ ‬كعيدٍ‭ ‬عالمي‭ ‬للعمال،‭ ‬لكن‭ ‬العيد‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬ثِقلاً‭ ‬وتعقيدًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

احتفل‭ ‬عمال‭ ‬العالم‭ ‬أمس‭ ‬بعيدهم‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬عالمي‭ ‬مضطرب‭ ‬يشهد‭ ‬ترنح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭ ‬بين‭ ‬موجات‭ ‬تضخم‭ ‬متلاحقة،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬في‭ ‬النمو،‭ ‬وتوترات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬تُعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وتُربك‭ ‬الأسواق‭ ‬وتلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬التشغيل‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬

وفيما‭ ‬يحاول‭ ‬الجميع‭ ‬استشراف‭ ‬تداعيات‭ ‬الصراعات‭ ‬الدولية‭ ‬ومنها‭ ‬خصوصا‭ ‬حرب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهرين‭ ‬يقف‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬إنتاج،‭ ‬بل‭ ‬كأول‭ ‬المتأثرين‭ ‬وآخر‭ ‬المستفيدين‭.‬

لقد‭ ‬عمق‭ ‬المناخ‭ ‬المضطرب‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬وقعه‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬بعدم‭ ‬الأمان‭ ‬الوظيفي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬باتت‭ ‬مصادر‭ ‬قوتهم‭ ‬مهددة‭ ‬مقابل‭ ‬غلاء‭ ‬جنوني‭ ‬يضرب‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭.‬

وليست‭ ‬وحدها‭ ‬الصراعات‭ ‬من‭ ‬يهدد‭ ‬أمان‭ ‬العمال‭ ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وخاصة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬واقعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله،‭ ‬فبينما‭ ‬تُبشّر‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬بإنتاجية‭ ‬أعلى‭ ‬وكفاءة‭ ‬أكبر،‭ ‬فإنها‭ ‬تثير‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬مخاوف‭ ‬جدية‭ ‬بشأن‭ ‬فقدان‭ ‬الوظائف‭ ‬التقليدية،‭ ‬وتآكل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬العمل‭ ‬ذاته‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬واكتساحها‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬ستتغير‭ ‬الوظائف؟‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬سيتحكم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التغيير،‭ ‬ولصالح‭ ‬من؟

تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬ملايين‭ ‬العمال‭ ‬اليوم‭ ‬باتوا‭ ‬اليوم‭ ‬يعملون‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬دون‭ ‬تأمين‭ ‬صحي‭ ‬أو‭ ‬ضمانات‭ ‬تقاعدية،‭ ‬في‭ ‬مفارقة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬تطور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وبطء‭ ‬تكيّف‭ ‬التشريعات‭ ‬وتنذر‭ ‬بمستقبل‭ ‬قاتم‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬بصدد‭ ‬صناعة‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬المتقاعدين‭ ‬الذين‭ ‬ربما‭ ‬لن‭ ‬يجد‭ ‬أغلبهم‭ ‬تأمينا‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬عمرهم‭ ‬يؤمن‭ ‬لهم‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭.‬

لكن‭ ‬أزمة‭ ‬العمال‭ ‬تختلف‭ ‬طبعا‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلىأخرى‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬باي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬البعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬ففي‭ ‬دول‭ ‬الجنوب،‭ ‬تتضاعف‭ ‬التحديات‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬البنى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬فالمعضلة‭ ‬تتخذ‭ ‬شكلًا‭ ‬آخر‭ ‬اقل‭ ‬وطأة‭ ‬للبعض‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬ثقلا‭ ‬على‭ ‬فئة‭ ‬هشة‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭.‬

‭ ‬يطرح‭ ‬عيد‭ ‬العمال‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أيضًا‭ ‬سؤال‭ ‬الكرامة‭ ‬ويعيد‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬النقابات‭ ‬بأدواتها‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬العمال‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬حقوقهم‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الخوارزميات‭.‬

في‭ ‬المجمل‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬ونحن‭ ‬نحيي‭ ‬عيد‭ ‬العمال‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬شروط‭ ‬العمل،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬برمّته‭. ‬

عيد‭ ‬العمال‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬معناه،‭ ‬بل‭ ‬اكتسب‭ ‬معاني‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭. ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ذكرى،‭ ‬بل‭ ‬دعوة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للتأمل‭ ‬والمراجعة‭: ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬نريد؟‭ ‬وأي‭ ‬عالم‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نبنيه‭ ‬لمن‭ ‬يعملون؟

‫شاهد أيضًا‬

الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة ترامب‭ ‬وإيران‭ ‬يراهنان‭ ‬على‭ ‬عامل‭ ‬الوقت

لا‭ ‬أحد‭ ‬مستعجل‭ ‬لانهاء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭…