رقمنة أسواق الجملة: الفوترة الإلكترونية..خطوة جديدة للرقابة وتنظيم مسالك التوزيع
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
تتواصل في تونس خطوات تحديث منظومة أسواق الجملة عبر اعتماد الحلول الرقمية، في إطار توجه يهدف إلى مزيد تنظيم المعاملات التجارية وتعزيز الشفافية داخل أحد أهم حلقات تزويد السوق بالمنتجات الفلاحية ومنتجات الصيد البحري.
وفي هذا السياق، تواصل الشركة التونسية لأسواق الجملة تنفيذ برنامج تعميم نظام الفوترة الإلكترونية داخل أسواق الجملة، بعد انطلاق التجربة النموذجية بسوق الجملة للخضر والغلال بالمكنين، على أن يتم يوم 15 أوت 2026 إطلاق المشروع بسوق الجملة بطبلبة، قبل تعميمه تدريجيا على أسواق أخرى من بينها القيروان وقابس.
ويمثل هذا المشروع أكثر من مجرد تحديث تقني لطرق إصدار الفواتير، إذ يندرج ضمن رؤية أشمل تقوم على رقمنة مختلف مراحل تداول المنتوجات، بما يسمح بتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول الكميات والأسعار والفاعلين الاقتصاديين، ويمنح السلط العمومية أدوات أكثر نجاعة لمراقبة السوق والحد من التجاوزات.
أهمية كبيرة في قطاع حيوي
وتكتسي الفوترة الإلكترونية أهمية خاصة في قطاع حساس يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وبالقدرة الشرائية للمواطن. فكل عملية بيع موثقة إلكترونيا تعني إمكانية تتبع المنتوج منذ دخوله سوق الجملة إلى حين مغادرته نحو أسواق التفصيل، وهو ما يحد من فرص التلاعب بالفواتير أو إخفاء جزء من المعاملات أو تمرير كميات خارج القنوات القانونية.
كما تسمح هذه المنظومة بتوفير معطيات آنية حول حجم العرض والطلب، وهو ما يساعد السلط المعنية على قراءة واقع السوق بصورة دقيقة واتخاذ الإجراءات المناسبة عند تسجيل اضطرابات أو نقص في بعض المواد أو ارتفاعات غير مبررة في الأسعار. فكلما كانت البيانات دقيقة وسريعة، كانت القرارات أكثر نجاعة وفاعلية.
ومن بين أبرز المكاسب المنتظرة أيضا، تعزيز الشفافية في التعاملات بين مختلف المتدخلين داخل أسواق الجملة. فالفاتورة الإلكترونية توثق هوية البائع والمشتري، وتحدد نوع المنتوج وكميته وسعره وتوقيت المعاملة، بما يجعل كل عملية قابلة للمراجعة والتدقيق، ويحد من النزاعات ويضمن حقوق مختلف الأطراف.
ولا يقتصر دور الفوترة الإلكترونية على الجانب الإداري، بل يمتد إلى مكافحة الاقتصاد الموازي والتهرب الجبائي، إذ تصبح المعاملات أكثر وضوحا، وتقل إمكانية إخفاء المبيعات أو التصريح بأرقام غير مطابقة للواقع. كما تساهم هذه المنظومة في دعم المنافسة الشريفة بين التجار، لأن الجميع يخضع لنفس قواعد التوثيق والرقابة.
ومن الجوانب المهمة كذلك، أن الرقمنة تفتح المجال أمام مراقبة أفضل لمسالك توزيع المنتجات الفلاحية. فكثيرا ما يثار الجدل حول الفارق الكبير بين الأسعار التي يبيع بها الفلاح منتوجه داخل سوق الجملة والأسعار التي يدفعها المستهلك في أسواق التفصيل. وبفضل الفوترة الإلكترونية يصبح من الممكن تتبع مسار المنتوج ومعرفة مختلف حلقات التوزيع، وهو ما يساعد على تحديد مواطن الزيادة غير المبررة، والكشف عن الممارسات الاحتكارية أو المضاربة التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
كما توفر هذه المنظومة أداة فعالة لأجهزة المراقبة الاقتصادية، حيث يمكن مقارنة الأسعار والكميات المتداولة بشكل فوري والتثبت من مدى احترام التشريعات المنظمة للتجارة ورصد أي تجاوزات تتعلق بالتلاعب بالأسعار أو الامتناع عن البيع أو إخفاء المنتوجات قصد المضاربة بها.
ومن الضروري أيضا أن يقترن تعميم الفوترة الإلكترونية بتكثيف الرقابة الميدانية داخل الأسواق، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها متابعة صارمة لكل المخالفات. فاحترام الأسعار القانونية والتصدي للمضاربة ومراقبة جودة المنتوجات والتثبت من سلامة عمليات البيع، كلها عناصر مكملة لنجاح مشروع الرقمنة.
كما أن تعميم هذه التجربة على بقية أسواق الجملة في مختلف ولايات الجمهورية من شأنه أن يحقق توحيدا للمعايير ويضمن توفر قاعدة وطنية موحدة للمعطيات، تساعد متخذي القرار على رسم سياسات أكثر دقة في مجال الإنتاج والتوزيع والتزويد، فضلا عن تحسين التوقعات المتعلقة بحاجيات السوق خلال مختلف الفترات والمواسم.
آفاق جديدة للسياحة: إسبانيا تراهن على الوجهة التونسية بإنجاز مشاريع كبرى
الصحافة اليوم: مصباح الجدي تتجه العلاقات التونسية الإسبانية إلى اكتساب…
