متابعة الإجراءات الأخيرة لفائدة الجالية بالخارج صيف التونسيين بالخارج بين القرار والتنفيذ
ليس للتونسيين بالخارج موعدٌ مع الصيف فقط، بل مع الوطن نفسه. عودةٌ تتكرر كل عام، لكنها لا تتشابه. ففي كل صيف، تُختبر الدولة: هل تفتح أبوابها كما ينبغي؟ وهل يشعر العائد أنه يعود إلى بيته، أم إلى إدارة أخرى بطوابير أطول؟
البلاغ الصادر عن جامعة العمال التونسيين بالخارج في 1 ماي 2026، في أعقاب المجلس الوزاري المضيّق المنعقد يوم 25 أفريل 2026، يضع الإطار واضحاً: الاستعداد لعودة التونسيين بالخارج ليس إجراءً موسمياً، بل سياسة عمومية يجب أن تُدار بعقل الدولة لا بعجلة الظرف.
الإجراءات المعلنة – من النقل الجوي والبحري، إلى الخدمات القنصلية، فالرقمنة، وتبسيط الإجراءات الديوانية – ليست جديدة في جوهرها. الجديد، إن تحقق، هو التنفيذ. فالتجربة علّمت الجميع أن القرارات، مهما كانت جيدة، تفقد معناها إن بقيت حبراً على ورق.
في قلب هذه العودة يقف سؤال بسيط: كيف نُسهل على التونسي أن يعود؟
أسعار التذاكر، التي أصبحت عبءا ثقيلاً في ظل الاضطرابات العالمية وارتفاع كلفة النقل، تمثل أول العقبات. التوجه نحو تعريفات تفاضلية لفائدة العائلات محدودة الدخل، والطلبة، والمتقاعدين، وذوي الاحتياجات الخاصة، ليس امتيازاً، بل ضرورة. فالوطن، إن كان يُريد أبناءه، عليه أن يخفف عنهم كلفة الوصول إليه.
لكن النقل، مهما كان مهماً، ليس سوى بداية الرحلة.
الخدمات القنصلية، التي غالباً ما تُختبر في لحظات الضغط، تحتاج إلى ما هو أكثر من حسن النية. فتح العمل أيام نهاية الأسبوع، وتعويضها بأيام راحة لاحقة، قد يبدو إجراءً بسيطاً، لكنه يعكس تحولاً في الفكرة: الإدارة في خدمة المواطن، لا العكس.
الرقمنة، التي طُرحت كحل لتقليص آجال الانتظار وتبسيط الإجراءات، تظل سلاحاً ذا حدّين. إن أُحسن استخدامها، تختصر المسافات وتُعيد الثقة. وإن أسيء تطبيقها، تتحول إلى عائق جديد. المنصات الرقمية لا يجب أن تكون مجرد واجهة، بل خدمة فعلية، سهلة، واضحة، ومتاحة للجميع.
في هذا السياق، يصبح التونسي في الخارج مقياساً لنجاح الدولة في تحديث نفسها. فهو يعيش في بيئات رقمية متقدمة، ويقارن، بشكل مباشر، بين ما يراه هناك وما يجده هنا. وهذه المقارنة، إن لم تُؤخذ بجدية، تتحول إلى فجوة في الثقة.
الديوانة، بدورها، تمثل محطة حساسة في تجربة العودة. تبسيط الإجراءات، الحد من التعقيدات، وإمكانية إحداث ملحق ديواني للتفصيلات، كلها خطوات في الاتجاه الصحيح. فالعائد لا يجب أن يشعر بأنه يُحاسب على رغبته في زيارة بلده، بل أن يُستقبل بما يليق بعلاقته به.
غير أن ما يلفت الانتباه في هذا المسار هو الدعوة إلى إشراك المجتمع المدني، والجمعيات القانونية في بلدان الإقامة، كطرف في المتابعة والتقييم. هذه ليست مجرد إضافة شكلية، بل اعتراف بأن الدولة، وحدها، لا تستطيع أن ترى كل شيء. وأن صوت الجالية، حين يُنظم ويُسمع، يمكن أن يكون جزءاً من الحل.
التونسيون بالخارج ليسوا مجرد مسافرين موسميين. هم امتداد للبلد، وسفراء له، وخزان اقتصادي لا يُستهان به. تحويلاتهم المالية، التي تدعم الاقتصاد، ليست سوى جانب من دورهم. الأهم هو ما يحملونه من خبرات، وشبكات علاقات، وصورة عن تونس في الخارج.
لكن هذه العلاقة، حتى تستمر، تحتاج إلى رعاية.
الجيل الرابع والخامس من أبناء الجالية، الذين وُلدوا بعيداً عن الوطن، لا يرتبطون به بالذاكرة، بل بما يختبرونه عند زيارتهم له. إن كانت التجربة إيجابية، تعزز الانتماء. وإن كانت مرهقة، تضعف الرابط. وهنا، يصبح الصيف أكثر من عطلة: يصبح لحظة بناء أو تآكل للهوية.
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات، لا يمكن للدولة أن تكتفي بإدارة الحاضر. عليها أن تفكر في المستقبل: كيف نحافظ على هذا الارتباط؟ وكيف نحوله إلى شراكة مستمرة، لا إلى زيارة عابرة؟
الإجابة تبدأ من التفاصيل: من تذكرة ميسّرة، إلى خدمة سريعة، إلى إدارة تُنصت. لكنها لا تنتهي عندها. فهي تتطلب رؤية أوسع، تعتبر التونسي في الخارج جزءاً من السياسات الوطنية، لا ملفاً موسمياً.
في النهاية، لا يُقاس نجاح هذه الإجراءات بعدد البلاغات، بل بما يشعر به العائد عند وصوله. هل يجد دولة تعرفه، وتنتظره، وتُيسّر له أموره؟ أم يجد مسافة بينه وبينها؟
الصيف قادم، ومعه الامتحان.
وما بين القرار والتنفيذ، تُكتب العلاقة بين الوطن وأبنائه.
حين يصبح الأمن الصحي صناعة وطنية
في بلدٍ يكتشف، كل مرة، أن أزماته الكبرى تبدأ من التفاصيل الصغيرة، لم يعد الدواء مجرد منتج …
