مؤشرات الإستثمار الواعدة الإستثمار الأجنبي بين التفاؤل وامتحان الواقع
حين ترتفع الاستثمارات الأجنبية في بلد يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، يصبح الخبر أكثر من مجرد رقم في تقرير مالي. هو رسالة. والرسالة التي حملتها بيانات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، بشأن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى تونس بنسبة 18.6 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، تبدو واضحة: هناك من بدأ ينظر إلى تونس مرة أخرى بوصفها أرضاً قابلة للاستثمار، لا مجرد اقتصاد متعب يستهلك الأزمات.
838.6 مليون دينار في ثلاثة أشهر ليست تفصيلاً صغيراً. خاصة حين تُقارن بسنوات قريبة كان فيها الحديث عن هروب المستثمرين أكثر حضوراً من الحديث عن قدومهم. كما أن الارتفاع بنسبة تفوق 74 بالمائة مقارنة بسنة 2024 يكشف أن المسألة ليست حركة ظرفية معزولة، بل منحى تصاعدي تحاول تونس أن تبني عليه صورة جديدة لمناخ الأعمال فيها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، دائماً، ليس فقط: كم دخل من الأموال؟ بل: ماذا تغيّر في حياة الناس؟
هنا تبدأ المسافة الصعبة بين الاقتصاد كما يُكتب في التقارير، والاقتصاد كما يعيشه المواطن.
الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي بلغت أكثر من 824 مليون دينار، تُعتبر مؤشراً إيجابياً بلا شك. فهي تعني أن هناك شركات ومجموعات اقتصادية اختارت وضع أموالها في مشاريع حقيقية داخل البلاد، لا مجرد مضاربات مالية عابرة. وهذا النوع من الاستثمار هو الأكثر أهمية، لأنه يرتبط بالإنتاج، والتشغيل، ونقل التكنولوجيا.
الصناعات المعملية، التي استحوذت وحدها على أكثر من ثلثي هذه الاستثمارات، تؤكد أن تونس ما تزال تمتلك عناصر جاذبة في قطاع التصنيع، سواء من حيث اليد العاملة أو الموقع الجغرافي أو القرب من الأسواق الأوروبية والإفريقية. كما أن ارتفاع الاستثمارات في قطاع الطاقة بنسبة 40 بالمائة يعكس وعياً متزايداً بأن مستقبل الاقتصاد التونسي مرتبط أيضاً بقدرته على تأمين حاجاته الطاقية وتطوير البدائل.
غير أن الوجه الآخر للصورة لا يمكن تجاهله.
قطاع الخدمات تراجع. والفلاحة، التي لا تمثل سوى أقل من واحد بالمائة من هيكلة الاستثمارات الخارجية، تبدو خارج أولويات رأس المال القادمة. وهذا أمر يطرح أسئلة حقيقية في بلد ما تزال فيه الفلاحة جزءاً من الأمن الغذائي ومن التوازن الاجتماعي في الجهات الداخلية.
فالاستثمار، في حد ذاته، لا يكفي. ما لم يُترجم إلى مواطن شغل حقيقية، وتحسّن في الخدمات، واستقرار في الأسعار، فإنه يبقى نجاحاً نظرياً أكثر منه تحولاً معاشاً.
تونس تبدو، من خلال التحضيرات الجارية لمنتدى تونس للاستثمار يومي 25 و26 جوان القادم، واعية بأهمية تسويق نفسها كوجهة اقتصادية جديدة. الحديث عن قانون استثماري جديد يواكب التحولات العالمية، وعن مشاركة قياسية منتظرة تضم صنّاع قرار وشركات وصناديق استثمار، يعكس رغبة في إعادة التموضع داخل الخريطة الاقتصادية الدولية.
وهذا مهم.
فالعالم اليوم لا يستثمر بالعواطف، بل بالمؤشرات. المستثمر يبحث عن الاستقرار، وسرعة الإجراءات، ووضوح القوانين، والبنية التحتية، واليد العاملة المؤهلة. وكل تحسّن في هذه العناصر يعني خطوة إضافية نحو جذب الرساميل.
لكن الاستثمار الأجنبي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح الاقتصاد من الداخل فالمعادلة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الأموال المتدفقة، بل بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى دورة تنموية كاملة: إنتاج، تشغيل، استهلاك، واستقرار اجتماعي.
كما أن تونس مطالبة اليوم بأكثر من مجرد جذب المستثمرين. هي مطالبة باختيار نوعية الاستثمارات التي تريدها. فليست كل الاستثمارات متساوية في أثرها. هناك استثمارات تخلق الثروة فعلاً، وتنقل المعرفة، وتُدخل البلاد في سلاسل الإنتاج العالمية. وهناك استثمارات تبحث فقط عن اليد العاملة الرخيصة والامتيازات الجبائية.
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين اقتصاد ينمو، واقتصاد يُستغل.
ورغم ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية المؤشرات الحالية. فالاقتصاد، مثل السياسة، يقوم أيضاً على الثقة. وعودة المستثمرين، بهذا النسق، تعني أن صورة تونس بدأت تستعيد شيئاً من جاذبيتها. وهذا في حد ذاته عنصر ضروري للخروج من سنوات الشك والتردد.
هناك أرقام بدأت تتحرك.
وما تحتاجه تونس الآن، ليس فقط مزيداً من الاستثمارات، بل أن يشعر المواطن بأن جزءاً من هذه الحركة وصل إليه أخيراً.
حين يصبح ا لمختبر قضية وطن: البحث السريري بوّابة تونس إلى السيادة الصحية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح…


