بسبب تأخّر سنّ الزواج: تونس تواجه تحدّيا ديموغرافيا خطيرا
تحولت ظاهرة تأخر الزواج إلى ظاهرة اجتماعية تثير جدلا كبيرا داخل مجتمعنا خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لعدد غير المتزوجين من فئة الشباب ، وهذا التاخر هو نتيجة لعدة اسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية أثرت بشكل كبير على قدرة الشباب على تكوين أسرة والاستقرار، فبين البطالة وغلاء المعيشة وارتفاع تكاليف السكن والزواج، يجد عدد كبير من التونسيين أنفسهم عاجزين عن الإقدام على هذه الخطوة رغم الرغبة في ذلك.
وفي هذا الاطار أكد الباحث والأستاذ بقسم علم الاجتماع بجامعة تونس محمد علي بن زينة أن نسبة غير المتزوجين بلغت حوالي 80 بالمائة ضمن الفئة العمرية المتراوحة بين 15 و34 سنة وهو رقم يعكس بوضوح عمق التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد. كما أوضح أن معدل سن الزواج في تونس أصبح في حدود 35 سنة لدى الرجال و28.4 سنة لدى النساء وذلك حسب آخر إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء.
وحسب المختصين في علم الاجتماع فان الأزمة الاقتصادية تعتبر من اهم الأسباب التي دفعت الشباب إلى تأجيل الزواج. حيث ان الحصول على وظيفة قارة أصبح حلما صعب المنال بالنسبة إلى عدد كبير من خريجي الجامعات في وقت تتزايد فيه متطلبات الحياة اليومية بشكل كبير . ولم يعد الشباب قادرين بسهولة على توفير مصاريف الكراء أو شراء منزل أو حتى تحمل نفقات حفل الزواج والتجهيزات الأساسية.
كما أصبحت العديد من العائلات بدورها تفرض شروطا مادية مرتفعة سواء تعلق الأمر بالمهر أو التجهيزات أو تنظيم حفلات الزفاف المكلفة، وهو ما جعل الزواج يبدو بالنسبة إلى البعض مسالة مرهقة تحتاج إلى سنوات طويلة من الادخار، لذلك يختار كثير من الشباب تأجيل الفكرة إلى حين تحقيق استقرار مهني ومادي قد يأتي في وقت متأخر، إضافة إلى تغير نظرة الشباب إلى مؤسسة الزواج نفسها إذ لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا في تغيير النظرة حول الحياة الزوجية، وأصبح البعض يقارن حياته بواقع افتراضي مليء بالمظاهر ما يزيد من الشعور بالعجز والخوف من عدم القدرة على تحقيق تلك الصورة المثالية.
ويحذر المختصون في علم الاجتماع من أن استمرار هذا الوضع ستكون له انعكاسات مباشرة على التركيبة الديمغرافية اذ أشار الأستاذ محمد علي بن زينة إلى أن تأخر الزواج يساهم في تراجع نسبة الولادات وتسارع نسق التهرم السكاني حيث بلغت نسبة المسنين 16.9 بالمائة سنة 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى حوالي 20 بالمائة خلال السنوات القادمة.
ويعني ذلك أن تونس قد تجد نفسها مستقبلا أمام مجتمع يضم عددا أكبر من كبار السن مقابل تراجع عدد الأطفال والشباب وهوما قد يؤثر على منظومة الضمان الاجتماعي والقطاع الصحي وسوق العمل . فكلما تقلص عدد الولادات، تراجعت اليد العاملة مستقبلا وازدادت الضغوط على الدولة من أجل توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للمسنين.
كما يخلف تأخر الزواج أيضا آثارا نفسية واجتماعية لدى عدد من الشباب خاصة في ظل الضغوط العائلية والمجتمعية المتواصلة، فكثير من الشبان والفتيات يشعرون بالإحباط بسبب عدم قدرتهم على تكوين أسرة رغم تقدمهم في السن.
لذلك يدعو المختصون إلى ضرورة وضع سياسات تحفيزية تساعد الشباب على بناء مستقبلهم. وتشمل هذه السياسات توفير مواطن شغل مستقرة وتسهيل الحصول على قروض سكنية بشروط ميسرة إضافة إلى مراجعة بعض العادات الاجتماعية المكلفة المرتبطة بالزواج.
بعد عقود متتالية دون تعديل : منح الضمان الاجتماعي للأطفال قيمة رمزية تفقد دورها
تعد المنح العائلية التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الأصل من اهم المكاسب الا…


