2026-05-16

بسبب‭ ‬تأخّر‭ ‬سنّ‭ ‬الزواج‭:‬ تونس‭ ‬تواجه‭ ‬تحدّيا‭ ‬ديموغرافيا‭ ‬خطيرا

تحولت‭ ‬ظاهرة‭ ‬تأخر‭ ‬الزواج‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تثير‭ ‬جدلا‭ ‬كبيرا‭ ‬داخل‭ ‬مجتمعنا‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الارتفاع‭ ‬المتواصل‭ ‬لعدد‭ ‬غير‭ ‬المتزوجين‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التاخر‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لعدة‭ ‬اسباب‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬أثرت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬أسرة‭ ‬والاستقرار،‭ ‬فبين‭ ‬البطالة‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬السكن‭ ‬والزواج،‭ ‬يجد‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬أنفسهم‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬رغم‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الاطار‭ ‬أكد‭ ‬الباحث‭ ‬والأستاذ‭ ‬بقسم‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬بجامعة‭ ‬تونس‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زينة‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬غير‭ ‬المتزوجين‭ ‬بلغت‭ ‬حوالي‭ ‬80‭ ‬بالمائة‭ ‬ضمن‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬المتراوحة‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و34‭ ‬سنة‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬عمق‭ ‬التغيرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬البلاد‭. ‬كما‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬سن‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬35‭ ‬سنة‭ ‬لدى‭ ‬الرجال‭ ‬و28.4‭ ‬سنة‭ ‬لدى‭ ‬النساء‭ ‬وذلك‭ ‬حسب‭ ‬آخر‭ ‬إحصائيات‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للإحصاء‭.‬

وحسب‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬فان‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬اهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬الزواج‭. ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬قارة‭ ‬أصبح‭ ‬حلما‭ ‬صعب‭ ‬المنال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬متطلبات‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ . ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الشباب‭ ‬قادرين‭ ‬بسهولة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬مصاريف‭ ‬الكراء‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬منزل‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تحمل‭ ‬نفقات‭ ‬حفل‭ ‬الزواج‭ ‬والتجهيزات‭ ‬الأساسية‭.‬

كما‭ ‬أصبحت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬بدورها‭ ‬تفرض‭ ‬شروطا‭ ‬مادية‭ ‬مرتفعة‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمهر‭ ‬أو‭ ‬التجهيزات‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬حفلات‭ ‬الزفاف‭ ‬المكلفة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الزواج‭ ‬يبدو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض‭ ‬مسالة‭ ‬مرهقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الادخار،‭ ‬لذلك‭ ‬يختار‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬تأجيل‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬تحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬مهني‭ ‬ومادي‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬متأخر،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تغير‭ ‬نظرة‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬الزواج‭ ‬نفسها‭ ‬إذ‭ ‬لعبت‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬النظرة‭ ‬حول‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية،‭ ‬وأصبح‭ ‬البعض‭ ‬يقارن‭ ‬حياته‭ ‬بواقع‭ ‬افتراضي‭ ‬مليء‭ ‬بالمظاهر‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بالعجز‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬المثالية‭.‬

ويحذر‭ ‬المختصون‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬ستكون‭ ‬له‭ ‬انعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬التركيبة‭ ‬الديمغرافية‭ ‬اذ‭ ‬أشار‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زينة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تأخر‭ ‬الزواج‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬نسبة‭ ‬الولادات‭ ‬وتسارع‭ ‬نسق‭ ‬التهرم‭ ‬السكاني‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬المسنين‭ ‬16.9‭ ‬بالمائة‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬20‭ ‬بالمائة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭.‬

ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مستقبلا‭ ‬أمام‭ ‬مجتمع‭ ‬يضم‭ ‬عددا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬مقابل‭ ‬تراجع‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬وهوما‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والقطاع‭ ‬الصحي‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭ . ‬فكلما‭ ‬تقلص‭ ‬عدد‭ ‬الولادات،‭ ‬تراجعت‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬مستقبلا‭ ‬وازدادت‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توفير‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للمسنين‭.‬

كما‭ ‬يخلف‭ ‬تأخر‭ ‬الزواج‭ ‬أيضا‭ ‬آثارا‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضغوط‭ ‬العائلية‭ ‬والمجتمعية‭ ‬المتواصلة،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬والفتيات‭ ‬يشعرون‭ ‬بالإحباط‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬أسرة‭ ‬رغم‭ ‬تقدمهم‭ ‬في‭ ‬السن‭.‬

لذلك‭ ‬يدعو‭ ‬المختصون‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬وضع‭ ‬سياسات‭ ‬تحفيزية‭ ‬تساعد‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬مستقبلهم‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬توفير‭ ‬مواطن‭ ‬شغل‭ ‬مستقرة‭ ‬وتسهيل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬سكنية‭ ‬بشروط‭ ‬ميسرة‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬العادات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المكلفة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالزواج‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بعد عقود متتالية دون تعديل : منح الضمان الاجتماعي للأطفال قيمة رمزية تفقد دورها

تعد المنح العائلية التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الأصل من اهم المكاسب الا…