معرض سنية بن سليمان بفضاء ارشيفار هـــنـــــدســــة الــــــذاكــــــــرة و الــــنـــــســـــيــــان
في معرضها الشخصي الجديد و عنوانه ” هذه البقايا مني ، و لا تزال في داخلي “ تبدو سنية بن سليمان ، مصرة علي عدم مغادرة الطفولة ، قبل تصفية كل حساب معها ، وقد فعلت ذلك بطريقتها الخاصة ، بكثير من اللعب و العاطفة و الامتنان ، فذلك “الحساب ” هو في الاخير جزء من ذاكرتها وهويتها و لا يمكن اختصاره كمنطقة صراع داخلي ، بقدر ما هو منطقة بحث في الذات ، من أجل ذات متجاوزة . ذلك “الحساب ” هو رصيد ثري من الذكريات البصرية المترسبة في اعماقها ، فالفنانة ولدت و عاشت في بيئة فنية ، والدها ليس الا الفنان الجليل خالد بن سليمان ، صاحب التجربة الخزفية التي احتضنت العلامة و الخط باختزال روحاني متقشف .
في معرضها المذكور، عملت الفنانة ، علي بسط تلك الذاكرة البصرية الموروثة من طفولتها و استثمارها كمكتسب تطمح الي احتوائه و تخطيه باللعب و الترويض ، دون محو ، و ذلك عبر رحلة تنطلق من البسيط نحو المركب .
ذلك المخزون البصري من زمن الطفولة والكامن في اعماقها ، يبدو اقرب الى بوصلة ترسم الاتجاهات من مكان معلوم نحو مكان مجهول . الامر وفق هذا المعنى ، لا يتعلق بتلك الدلالات الرائجة عن رسومات الاطفال و ما تعنيه من تلقائية و عفوية و خروج عمّا يثير ” القبول ” و ” الاعجاب ” ، فهذا البعد و ان كان ملحوظا و ملفتا في اعمال معرض الرسامة ، الا انه ، و بشكل عام ، لا يعتبر مفصليا ، اذا ابقيناه مجردا دون تدقيق ، فما يرسمه الاطفال يبقى طفوليا ، اما ما يرسمه الكبار بعيون الطفولة فهو الاستثناء . و الطفولة في رسومات سنية بن سليمان ، مرادف للتحرر من التنميط و الصور الجاهزة . و لعل المعني الجوهري في تمشيها الفني ، كما يبينه معرضها ، يكمن في كيفية التماهي مع جذوة ذلك المفهوم المتحرر للطفولة بما تحمله من نظرة عفوية وفطرية و في ذات الوقت تجاوز ما ترسب في ذاكرتها منذ الطفولة ، من مخزون بصري عايشته في بيت والدها و ضمن مسيرته كفنان ، اشتغل علي العلامة و الخط ، ضمن تمشي تأصيلي مستلهم من المخطوطات القديمة ومن الحرف العربي . لقد قامت سنية باعادة تلك العلامات و الخطوط الي اصولها البدئية ، الى فجر البشرية ، اي الى ما قبل ان تتشكل ، تلك العلامات و الخطوط ، في هيئات دالة ، من ارقام و حروف وعلامات . فأصل الحرف والعلامة هو النقطة و الخط و منهما انبثقت عبر الازمنة كل ما في حقول الكتابة و الاشارة ، وصولا الي الاشكال الاكثر تعقيدا ، فمن تلك النقطة الاولي ومن ذلك الخط الاول الممتد و المحفور داخل كهف ، او المرسوم علي جلد طريدة ، جاءت رسوم الكهوف في تاسيلي و اكاكوس و غيرهما ، وصولا الي ما نراه اليوم في مختلف الفنون و التصاميم الرقمية ، الاشد تعقيدا .
لقد استعادت الفنانة بذلك طفولة الرسم ذاته و جعلت منه البوابة لمقاربة ذاكرتها البصرية ، لكن ليس عبر مقاربة ذاتية خالصة تخص طفولتها و البيت العائلي ، بل من خلال الذاكرة الكونية ، اي انها جعلت من طفولتها التي تحرسها داخلها متعانقة مع طفولة الرسم ذاته ، بهذا فان اعمال الفنانة هي نتيجة انصهار ذاكرتين ، ذاكرة ذاتية وذاكرة مشتركة ، ولعلها هنا تكون قد قدمت قراءة لمفهوم الذاكرة ، تلك الذاكرة التي نعتقد دوما بأنها محايدة و تعمل كالة تصوير و تسجيل ، في حين انها انتقائية و انعكاس للحالة النفسية و الاجتماعية و لطرق تفكيرنا ، فعملية وصل ذاكرة بآخرى ، في اعمال سنية بن سليمان ، تعبر في جوهرها ، عن اسلوب في فك شيفرات ذلك المخزون الذاتي و وصله بما هو جمعي ، ليكون بعدها الترميم و البناء في الحاضر ، ذلك الحاضر الذي يستوعب في احشائه الذكريات ، لكي لا يكون لقيطا او مصطنعا و مبتورا عن الذات .
ضم معرض الفنانة ، لوحات في الرسم ، صغيرة و متوسطة الاحجام ، و اعمالا خزفية . تلتقي جميعها ضمن اسلوب واحد يجمع بين الرسم الخطي و بين التلوين ، باستحضار اشكال بسيطة لهيئات مثل الطيور و الحيوانات القريبة من اشكال القطط و الايائل والثيران او هيئات لكائنات متخيلة ، يتوزع اسلوبها الخطي جميعها ، بين الطفولي و العفوي في بساطته و بين ما يعيدنا الى اشكال واسلوب رسومات فن الكهوف . هذه الهيئات في تنوعها تقوم الرسامة بتأليفها ضمن خلفية ملونة مشبعة بمفردات مثل الاشكال النباتية البسيطة او الهندسية و العلامات المتكررة في شكل بقع لونية او خطوط حادة او خربشات .
تعتمد الرسامة على طيف متنوع من الالوان الترابية خاصة ، و كذلك الاصفر او الاخضر و هي تبدو في ذلك علي درجة من التقشف ، سواء بالاكتفاء باللون الواحد في تباين درجاته و في درجته الصفر حيث يبدو شفافا مثل الاكواريل ، او بتقنية المسح و الاخفاء و التشفيف عبر طبقة لونية من الابيض ، بهذه التقنية ، فان الفنانة قد جعلت هيئاتها و علاماتها بارزة تنعم بالضجيج و المرح علي سطح اللوحة ، او مختفية ، حيث اللون اشبه بالحجاب ،يكشف بمقدار و يخفي بمقدار . مقابل هذه الاعمال المتقشفة ، نجد سلسلة من الاعمال اكثر تعقيدا و تركيبا على مستوى البناء و الشكل ، و هي اعمال تذكرنا باسلوب الفن الزخرفي في الشرق القديم ، و اذا كان هذا الفن يعتمد اساسا على عنصر كراهية الفراغ ، الا ان الرسامة خالفت هذه القاعدة ، لكي تحافظ على ذلك التجانس الاسلوبي لاعمالها ، والذي يشكل تلك الوحدة الجامعة لاعمال معرضها .
ضمن هذا الجانب من الاعمال و التي تحضر فيه المرجعية الشرقية ، كتعلة ، تنقسم كل لوحة الى اطار خارجي يمثل الشبكة الزخرفية المستطيلة الاولى ، داخلها شبكة زخرفية ثانية ، ثم ثالثة و هي التي تحتضن ، مثل مسبح او ساحة ، التكوين الاساسي للعمل و المتمثل في تكويناتها و هيئاتها الخطية و اللونية . ما وصفناه بالشبكة الزخرفية ، ليس في اعمال الرسامة ، غير انسجة من الوان متباينة ، فهي هنا توحي بالاصل الزخرفي ، لكنها تقدمه بأسلوبها القائم على التبسيط و التقشف ، ذلك ان اكثر ما يعنيها هو ذلك التجوال بشخوصها الخطية المبتكرة ، ضمن بناءات مفتوحة اواخرى مغلقة ومسيجة داخل شبكات مستطيلة مستوحاة من الفن الزخرفي الشرقي .
كلمة vestige و الواردة في عنوان المعرض ” “Cette part de vestiges en moiة” تحمل اكثر من معنى ، فهي قد تحيل الى البقايا ، كما انها قد تحيل الي الاثر، غير المادي او المادي مثل اللقي الاثرية او شظايا قطعة من الزجاج او الخزف . هذه الكلمة و بتعدد احالاتها ، تبدو كلمة مفتاح ، و تجعلنا نعتقد وبكثير من اليقين ، بأننا امام تجربة مفتوحة الافاق . تجربة مخصوصة يحيل الذاتي فيها الى ما هو جمعي في علاقته بالذاكرة و علاقة الذاكرة بالحاضر ، فسنية بن سليمان ، ليست فقط سليلة مرجعية فنية عايشتها منذ طفولتها ، بل هي ايضا المتخرجة من المدرسة الوطنية العليا للفنون بليموج بلجيكا، ثم من مدرسة الفنون بكوبينهاغ بالدنمارك ، و هي في كل ذلك تحمل ما يحمله جيلها من اسئلة و افكار عن الفن و عن مفهوم المعاصرة في الفن ، و علاقته بالذات و الذاكرة .
عمر الغدامسي
في مكتبة « الصحافة اليوم » محمود قفصية في اصدارين جديدين «كلام فارغ» و «موش مشكل» الخط في تنوعه
يحيل الخط الى الكتابة النصية كما الي الكتابة البصرية اي الى ما يعرف بالرسم الخطي و الذي يم…


