تمرّ هذه الأيام الذكرى 78 لـ«النكبة»، ذكرى قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ذات 15 ماي 1948، وهو تاريخ مؤلم لأحرار العالم، تمكّنت خلاله الحركة الصهيونية العالمية بدعم غربي من تنفيذ سلسلة من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي لا تزال متواصلة إلى يومنا هذا بأكثر حدّة وفاشيّة في ظل تواطؤ وصمت عربي ودولي، وتغاض عن تجريم رموز هذا الكيان النازي وإفلاتهم من العقاب.

والمؤسف أن النكبة بعد زهاء ثمانية عقود متنامية، والخلل في موازين القوى بين أصحاب الحق وأنصارهم من جهة، ومن الجهة المقابلة أعداء الحق وداعميهم يزداد حدّة، ولولا بصيص الأمل الذي يصنعه ويغذّيه المرابطون الصامدون على أرض فلسطين بدمائهم وأرواحهم لتغيّرت الخرائط وأصبحت «اسرائيل الكبرى» أمرا واقعا وانقرضت عديد «الدول» والأنظمة الحاكمة.

إن الكيان الصهيوني كان ولا يزال العصا الغليظة للغرب وتحديدا للإدارة الأمريكية لتمرير وتنفيذ سياساتها في المنطقة والعالم، وهي «امتياز» أيضا ومصدر «شرعية» لبعض الأنظمة التي تنازلت وطبّعت وتوهمت أن دوام حالها من خلال الولاء والطاعة والتبعية وهو المحال بعينه فالأطماع الصهيونية أكبر من أن تقف عند حدود بعينها.

وبالعودة إلى التاريخ الذي يؤكد ما تم ذكره، فقد نفذت العصابات الصهيونية للوصول بنا الى لحظة «النكبة» عشرات المجازر وقُدّر عدد الشهداء عام 1948 لوحده بحوالي عشرين ألفا تقريبا بين فلسطينيين وعرب كما تم تهجير عشرات الآلاف من السكان الأصليين، وسرى الكيان الصهيوني كالسرطان في أكثر من 85٪ من مساحة فلسطين التاريخية، ومنذ ذلك التاريخ، بل قبله وبعده تواترت الجرائم الصهيونية والهزائم العربية.

وما أشبه اليوم بالبارحة..! تواصل قضم الأراضي الفلسطينية وإرساء مشاريع الاستيطان فيها، وتطبيق سياسة تهجير ممنهجة في كامل ربوع فلسطين المحتلة، والتهجير لا يقف عند حدود الإبعاد والترحيل بل يتخطاه الى الإبادة الجماعية وهي من أعتى وأبشع الجرائم ضد الإنسانية.

إننا نتحدث عن أكثر من مائتي ألف شهيد وجريح منذ لحظة 7 أكتوبر 2023، ورغم الترويج لهدنة معلنة ووقف لإطلاق النار في قطاع غزة، فإن القتل بدم بارد وخارج نطاق القانون كما يقال، سلوك صهيوني يومي تجاه الفلسطينيين.

ليس ذلك فحسب، يتفنّن الكيان الصهيوني في «تقنين» جريمة الإبادة ورفع منسوب الترهيب والترويع من خلال سنّ «قوانين» نازية يجيز بواسطتها تنفيذ الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين..!

إن الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع وجودي وتاريخي ضد مشروع استعماري استيطاني مقيت قائم على القتل والاقتلاع والتطهير العرقي، ويُحسب للشعب الفلسطيني أنه يواصل مقاومته بكل الأشكال ويتمسك بحقوقه التاريخية غير القابلة للتصرف وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل التراب الوطني وعاصمتها القدس الشريف.

وهذا هو الموقف الرسمي والشعبي في تونس، موقف ثابت مناصر للأشقاء الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وفي نضالهم من أجل استعادة حقوقهم التاريخية المشروعة كاملة وإقامة دولتهم على كامل أرض فلسطين التاريخية وهذه حقوق لا تسقط بالتقادم.

ولا يمكن في هذا السياق أن يتغاضى المرء عن حقيقة أن الكيان الصهيوني نشأ وتضخّم على قاعدة الأساطير ونهل منها ليصمد عقودا أمام العالم وتمكّن في أوقات كثيرة من مغالطة الرأي العام الدولي وتقديم نفسه على كونه ضحية التاريخ الذي لم ينصفه منذ ظهور الديانة اليهودية إلى قيام النازية القرن الماضي وضحية الجغرافيا التي وضعته في قلب الأمة العربية، في أكثر منطقة حساسة و«ملغّمة» في العالم بحكم أنها تمثل مهد الأديان ومخزن الموارد الطبيعية ومطمع الدول العظمى وغيرها، لكن الأمر تغير اليوم والأقنعة تتساقط والعالم يشهد حالة غير مسبوقة من «الفلسطنة».

أجل، إن فلسطنة العالم هي الإجابة الراهنة على النكبة المتنامية وهي تؤكد أن أزمة قيمية وأخلاقية تعصف بالكيان الصهيوني الذي لم يعد قادرا على مجاراة شعور وسلوك المحيطين به فالجماهير العريضة ليس في فلسطين فقط وليس في الدول العربية أيضا وإنما في مشارق الأرض ومغاربها لفظت الكذب والبهتان وصناعة الموت.

إن  الحدّ الأدنى المطلوب اليوم، ليس عسيرا على الكثيرين ، فالفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى منّة أو صدقة، أو كذلك الى دروس وتعليمات، بقدر ما هم بحاجة إلى أن نحترم تضحياتهم واستقلال قرارهم، ونحترم  ونقدّر  كذلك صمودهم وثباتهم، هم وكل من صمد وثبت وأسند وتكبد نتائج عربدة الصهاينة والأمريكان ، ونتحدث هنا عمّا يعرف بمحور المقاومة وفي مقدمته المقاومة الباسلة في لبنان العزة والكرامة.

ولا يمكن هنا عدم أخذ نتائج الحرب الأمريكية الصهيونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك حسابات واشنطن وبكين، بعين الإعتبار، وأضعف الايمان الاستفادة منها للثبات وعدم تقديم مزيد من التنازلات المجانية التي  لا تخدم شعب الجبارين في شيء ولا يمكن ان تساهم في استعادة شبر من أرض فلسطين أو غيرها من الأراضي العربية المحتلة.

‫شاهد أيضًا‬

‎الرئيس الأمريكي في ضيافة جمهورية الصين الشعبية ‎ترتيب صراع.. لا مصالحة

‎جلبت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جمهورية الصين الشعبية يومي 13 و14 ماي الجاري …