ضمان العمل اللّائق من المحاور الأساسية للسياسة الاجتماعية للدولة : مراجعات مرتقبة لمجلّة الشغل لتواكب التطورات
الصحافة اليوم : سميحة الهلالي
تسعى تونس إلى إرساء نموذج للعمل اللائق يليق بتاريخ البلاد في الحقوق الاجتماعية وبطموحات أجيالها الجديدة. وهي خطوة هامة نحو مستقبل شغل أفضل لأنها تؤكد أن الإنسان هو محور التنمية وعمودها الفقري، وأن كرامته في فضاء العمل هدف أساسي يحتل صدارة الأولويات ويندرج في إطار التوجهات الوطنية لتحقيق بيئة عمل أكثر توازنا ويعزز القطع مع التشغيل الهش ويحقق الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية.
فلقد صرّح وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر مؤخرا أن تونس بصدد مراجعة عدد من فصول مجلة الشغل لتواكب التطورات مع التركيز على مقومات ومعايير العمل اللائق، وهو تصريح يعكس الجهود المبذولة من طرف الدولة التي بدأت تتبلور منذ سنوات، خاصة مع التعاون مع مكتب العمل الدولي. فقد سبق أن شهدت تونس نقاشات حول مشاريع قوانين تتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة في بعض القطاعات، مما يشير إلى توجّه نحو تقنين أفضل للعلاقات الشغلية أو المهنية.
وكان من بين نقاط تلك النقاشات والتي تندرج ضمن سياسة الدولة الإصلاحية في هذا الجانب الحماية من التشغيل الهش من خلال تقنين أفضل لعقود العمل المؤقتة والمناولة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار والضمانات الاجتماعية.
كما تم العمل على فرض مبدإ المساواة والإنصاف من خلال مكافحة التمييز على أساس الجنس أو العمر أو الإعاقة، وتعزيز مشاركة المرأة في سوق الشغل بالإضافة إلى التكيف مع التحولات الرقمية وذلك بإدراج أحكام خاصة بالعمل عن بعد، وحماية بيانات العمال، وتنظيم منصات العمل الحر.
في هذا السياق اعتبرت النائبة بسمة الهمامي في تصريح لـاالصحافة اليومب أن مراجعة مجلة الشغل تعدّ من الخطوات المهمة والتي جاءت بعد انتظارات كبيرة. مشيرة إلى أن مراجعة عدد من فصول مجلة الشغل من حيث الحقوق والواجبات وساعات العمل وقيمته من الضروريات.
ولفتت الهمامي في الإطار نفسه إلى أن تجديد عدد من فصول مجلة الشغل يعدّ من المسائل التي طرحت سنة 2011 في الحراك الثوري من قبل المفكرين والعمال والنقابيين الذين دعوا إلى وجوبية تجديد مجلة الشغل لكن الأمر لم يؤخذ بعين الاعتبار ولم يتم التعامل معه بجدية حينها، لذلك فإن الشروع اليوم في تجديد مجلة الشغل يعدّ من الأساسيات لعدة اعتبارات خاصّة منها مواكبة الثورة الرقمية ، والتغيرات التكنولوجية الكبرى.
من جهته أكد النائب عبد الرزاق عويدات في تصريح لـاالصحافة اليومب أن هناك توجّها شاملا لحماية كرامة الإنسان داخل فضاء العمل وتجديد عدد من فصول مجلة الشغل من الضروري ان يرتكز على ثلاثية الحقوق والواجبات والمردودية والإنتاجية مما يضمن استمرارية مواطن الشغل ويمكّن من تحقيق النمو وبالتالي المساهمة في التنمية، معتبرا انه تم تحقيق نقلة نوعية في ما يخص عقود العمل وهي خطوة ثورية في مجال حقوق العمال تقطع مع التشغيل الهش حيث أصبح العقد غير محدد المدة القاعدة العامة، في حين قُيّدت عقود محددة المدة بحالات استثنائية دقيقة مثل الأشغال الموسمية كما تمت مراجعة فترة التجربة لتتناسب مع طبيعة المهن والوظائف، مع تعديل أجل الإشعار بإنهاء العقد خلالها بالإضافة طبعا إلى منع المناولة منعا شاملا مع استثناءات محدودة جداً لخدمات معينة (كالحراسة والتنظيف) بشروط مشددة.
وتضمّن القانون عقوبات، بما في ذلك عقوبات سجنية في حالات العود، إلى جانب أحكام انتقالية لتسوية وضعيات آلاف العمال. ولفت محدثنا إلى أنّ هذا القانون مازال لم يطبق بعد في القطاع العام والشركات العمومية إلى حين صدور أوامر ترتيبية تلغي العقود محدودة المدة.
ويعتبر محدثنا في الآن ذاته أن تجديد عدد من فصول مجلة الشغل يمثل مدخلا للتنمية ويندرج ضمن رؤية عميقة وشاملة تقطع مع التشغيل الهش وتمكّن من بناء بيئة عمل متوازنة تحقق الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية.
وقد شهد البرلمان عدة نقاشات لملاءمة التشريعات مع هذه المتغيرات، سواء بتعزيز حقوق العمال في المنصّات الرقمية أو تحديث أحكام السلامة المهنية أو تنظيم أشكال التشغيل المرنة دون المساس بالحقوق الأساسية.
ومن بين الإصلاحات التشريعية الرئيسية قانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، النواة الأساسية لهذا التوجه. ويُعتبر أهم تنقيح لمجلة الشغل منذ عقود، حيث يركز على القضاء على العمل الهش وتعزيز الاستقرار المهني.
وتعكس هذه الإصلاحات استمرارية في سياسة الدولة الاجتماعية في تكريس مقومات العمل اللائق والحماية من التشغيل الهش من خلال تقنين صارم للعقود المؤقتة والمناولة والاهتمام بالسلامة والصحة المهنية.
التكوين المهني الفلاحي ركيزة أساسية للسيادة الغذائية
يعتبر التكوين المهني الفلاحي أحد أبرز الرهانات الاستراتيجية لتونس في تحقيق الأمن ال…


