2026-05-19

في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي،‭ ‬كتاب‭ ‬تكريمي‭ ‬للأستاذ‭ ‬المتميّز‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭: ‬ من‭ ‬أجل‭ ‬تاريخ‭ ‬تركيبي‭ ‬يراوح‭ ‬بين‭ ‬الجزئيـّة‭ ‬والشموليـّة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

في‭ ‬افتتاحية‭ ‬الكتاب‭ ‬التكريمي‭ ‬لأستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬المتميّز‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭ ‬الصادر‭ ‬حديثا‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الكتاب‭ ‬بعنوان‭ ” ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭”‬،‭ ‬جمع‭ ‬وتنسيق‭ ‬لطفي‭ ‬بن‭ ‬ميلاد،‭  ‬يكتب‭ ‬الطاهر‭ ‬لبيب‭ ‬عن‭ ‬حضوره‭ ‬مندهشا‭ ‬إحدى‭ ‬حلقات‭ ‬المؤرخ‭ ‬الفرنسي‭ ‬فرنان‭ ‬بروديل‭ ‬في‭ ‬الكوليج‭ ‬دي‭ ‬فرانس‭. ‬وصف‭ ‬بروديل‭  “‬حبّة‭ ‬ملح‭ ‬تعبر‭ ‬الصحراء،‭ ‬من‭ ‬شمالها‭ ‬نحو‭ ‬جنوبها،‭ ‬راسما‭ ‬لها‭ ‬طريقا‭ ‬ومحطّات‭ ‬وناسجا،‭ ‬حولها،‭ ‬علاقات‭ ‬ومشاهد‭ ‬مختلفة‭ ‬الأبعاد‭.‬‭ ‬

لم‭ ‬تصل‭ ‬حبّة‭ ‬الملح‭ ‬هذه‭ ‬إلى‭ ‬تمبوكتو‭ ‬إلاّ‭ ‬وقد‭ ‬تعاظمت‭ ‬وتداخلت‭ ‬أبعادها،‭ ‬فإذا‭ ‬هي‭ ‬ظاهرة‭ ‬مركبّة،‭ ‬معقّدة،‭ ‬ككبّة‭ ‬خيوط‭ ‬ملوّنة‭ ‬تحتار‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬رأس‭ ‬خيط‭ ‬منها‭ ‬تبدأ‭ ‬تفكيكها‭..”. ‬ويضيف‭ ‬لبيب‭ ‬قائلا‭ “‬لست‭ ‬مؤرّخا‭ ‬ولكنّ‭ ‬متابعتي‭ ‬لدرس‭ ‬بروديل،‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬72−71،‭ ‬جعلتني‭ ‬أكتشف‭ ‬الضرورات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬يلبّيها‭ ‬مؤرخ‭ ‬كبير‭: ‬في‭ ‬وصف‭ ‬الفضاء‭ ‬كان‭ ‬بروديل‭ ‬عارفا‭ ‬بتضاريس‭ ‬الأرض‭ ‬وبالطرق‭ ‬كأنّه‭ ‬مشى‭ ‬فيها‭. ‬في‭ ‬وصف‭ ‬العلاقات‭ ‬والطقوس‭ ‬التي‭ ‬انبنت‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬حبّة‭ ‬الملح‭ ‬كان‭ ‬يستحضر‭ ‬الأنتروبولوجيا‭ ‬والسوسيولوجيا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬متخصّصا‭ ‬فيهما‭..”.‬

ويطرح‭ ‬الأستاذ‭ ‬لبيب‭ ‬عديد‭ ‬الرؤى‭ ‬حول‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬وكيف‭ ‬نقاربه‭ ‬وبين‭ ‬السوسيولوجيا‭ ‬وكيف‭ ‬تنظر‭ ‬بطريقة‭ ‬مغايرة‭ ‬للزمن‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬كليّة‭ ‬تفسّره‭ ‬وتفسّر‭ ‬الظواهر‭. ‬وعن‭ ‬المحتفى‭ ‬به‭ ‬يقول‭ ‬لبيب‭: ” ‬لنبق‭ ‬في‭ ‬مسار‭ “‬حبة‭ ‬الملح‭” ‬ومع‭ “‬انعكاس‭ ‬الظل‭” ‬الذي‭” ‬يأتيك‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬متخصّص‭ ‬مثلي‭: ‬مفهوم‭ ‬الكليّة‭ ‬أو‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ” ‬الكبيرة‭” ‬يقابلها‭ ” ‬التركيب‭” ‬في‭ ‬نصّ‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭ ‬المنادي‭ ‬بـ‭” ‬تاريخ‭ ‬تركيبي‭… ‬يرواح‭ ‬بين‭ ‬الشموليّة‭ ‬والجزئيّة‭”.. ‬

وإذا‭ ‬كان‭ ” ‬عمل‭ ‬المؤرخ‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬السياق‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الزمن،‭ ‬هذا‭ ‬الجمع‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬المفرد،‭ ‬ليس‭ ‬زمن‭ ‬الكرونولوجيا‭ ‬أو‭ ‬الرزنامة‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬أو‭ ‬أزمنة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تمثّلها‭ ‬أو‭ ‬تحديدها‭ ‬ولا‭ ‬فهم‭ ‬ايقاعها‭ ‬أو‭ ‬تفسيره‭ ‬إلاّ‭ ‬مشدودة‭ ‬إلى‭ ‬سياقاتها‭. ‬شدّها‭ ‬إلى‭ ‬السياقات‭ ‬يملؤها‭ ‬ويحرّكها‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تُنتظر‭…”.‬

ضمن‭ ‬الباب‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ” ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التحية‭”‬،‭ ‬نجد‭ ‬مقالا‭ ‬بعنوان‭” ‬مغامرة‭ ‬الحدس‭ ‬والعقل‭” ‬لعلي‭ ‬اللواتي،‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬أنّ‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭ ” ‬يجمع‭ ‬في‭ ‬شخصه‭ ‬العالمَ‭ ‬المحقّقَ‭  ‬والمسافر‭ ‬الضارب‭ ‬في‭ ‬تضاريس‭ ‬النفس‭ ‬الانسانية‭  ‬بروح‭ ‬الشاعر‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬حقيقته‭. ‬وإنّ‭ ‬لذلك‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬المسار‭ ‬المنطقي‭  ‬بأدواته‭ ‬العقلية‭ ‬ومنهجه‭  ‬النقدي‭ ‬وبين‭ ‬التماعات‭  ‬الجَنان‭  ‬أمثلةً‭  ‬من‭ ‬صيرورة‭  ‬المشروع‭ ‬الانساني‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬وُلد‭ ‬التساؤل‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬البدء‭  ‬من‭ ‬رحم‭  ‬الأسطورة‭ ‬الشاعرة،‭ ‬وظلّ‭  ‬يحتفظ‭ ‬منها‭  ‬بقوّة‭ ‬الحدس‭  ‬بالحقائق‭  ‬قبل‭ ‬فحصها‭ ‬بالمناقشة‭ ‬وتأكيدها‭ ‬بالتجربة‭.‬

ومن‭ ‬اللافت‭ ‬حقّا‭ ‬ملاحظة‭ ‬ذلك‭ ‬التفاعل‭ ‬لدى‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭ ‬بين‭ ‬الهاجس‭ ‬العلمي‭ ‬للمؤرخ‭ ‬المقيّد‭ ‬بشروط‭ ‬البحث‭ ‬وقواعده،‭ ‬وبين‭ ‬الشغف‭ ‬بمعرفة‭ ‬أحوال‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬مراوحة‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬كموضوع‭ ‬وبين‭ ‬التاريخ‭ ‬كتجربة‭ ‬وجوديّة‭..”.‬

كما‭ ‬نقرأ‭ ‬ضمن‭ ‬نفس‭ ‬الباب‭ ‬مقالا‭ ‬بعنوان‭ ” ‬نصب‭ ‬ونسب‭: ‬محاورة‭ ‬الانسان‭ ‬والأثر‭ ‬في‭ ‬منجز‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭” ‬لعبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأرقش،‭ ‬ومقالا‭ ‬لعبد‭ ‬الواحد‭ ‬المكني‭ ‬بعنوان‭: “‬لطفي‭ ‬عيسى‭: ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬سير‭ ‬مؤرخ‭ ‬حصيف‭ ‬من‭ ‬القبيلة‭ ‬إلى‭ ‬الطرقية‭ ‬فالدولة‭ ‬الثقافية‭”‬،‭ ‬ومقالا‭ ‬لعادل‭ ‬النفاتي‭ ‬بعنوان‭: ” ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬الخطاب‭ ‬المناقبي‭ ‬إلى‭ ‬تعدّد‭ ‬مناويل‭ ‬كتابة‭ ‬المعرفة‭ ‬التاريخيّة‭”.‬

على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأبواب،‭ ‬وُزّعت‭ ‬المساهمات‭ ‬لنخبة‭ ‬منتقاة‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬والمغرب‭ ‬ولبنان‭ ‬تلتقي‭ ‬أو‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬المحتفى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬همّه‭ ‬المعرفي‭ ‬وفي‭ ‬مسلكه‭ ‬الأكاديمي‭ ‬المميّز‭ ‬الذي‭ ‬قارب‭ ‬المسألة‭ ‬الطرقيّة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬جديدة‭ ‬موسّعا‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬المغاربي،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تاريخ‭ ‬مقارب‭ ‬أبعد‭ ‬مدى،‭ ‬كما‭ ‬افتتح‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي،‭ ‬هي‭:  ‬باب‭ ” ‬سؤال‭ ‬الفكر،‭ ‬سؤال‭ ‬المنهج‭”‬،‭  ‬باب‭ ” ‬استشكال‭ ‬الدرس‭ ‬التاريخي‭ ‬ثقافيّا‭”‬،‭ ” ‬باب‭ ” ‬بين‭ ‬الدرسين‭ ‬التراثي‭ ‬والحضاري‭”‬،‭ ‬باب‭” ‬الحياة‭ ‬الروحية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭” ( ‬بالفرنسية‭).‬

وتتناول‭ ‬المساهمات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاشكاليات‭: ‬بدايات‭ ‬التأريخ‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬التاريخ‭ ‬الشفهي،‭ ‬الاستشراق‭ ‬الجديد،‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬وصور‭ ‬الزمن،‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬الفاضل‭ ‬بن‭ ‬عاشور‭ ‬ومشروع‭ ‬الهيمنة‭ ‬الثقافية،‭ ‬بورقيبة‭ ‬السياسي‭  ‬بورقيبة‭ ‬المثقّف،‭ ‬البعد‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬الموريسكيين،‭ ‬القيروان‭ ‬في‭ ‬خرائط‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬إيالة‭ ‬تونس‭ ‬والنخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬زمن‭ ‬العثمنة،‭ ‬النقود‭ ‬في‭ ‬التعبيرات‭ ‬الشعبية،‭ ‬المغارب‭ ‬بين‭ ‬البداوة‭ ‬والحضر،‭ ‬حزب‭ ‬البحر‭ ‬والرؤية‭ ‬الشاذلية‭ ‬للنبي،‭…‬

من‭ ‬بين‭ ‬المشاركين‭ ‬نذكر‭  ‬عبد‭ ‬الأحد‭ ‬السبتي،‭ ‬محمد‭ ‬عفيفي،‭ ‬شكري‭ ‬المبخوت،‭ ‬عبد‭ ‬الجليل‭ ‬بوقرة،‭ ‬سعيد‭ ‬بحيرة،‭ ‬لمياء‭ ‬العبيدي،‭ ‬حسام‭ ‬الدين‭ ‬شاشية،‭ ‬نورة‭ ‬الوسلاتي،‭ ‬ثريا‭ ‬بالكاهية،‭ ‬رمزي‭ ‬قرمازي‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

فرنسيسكا ألبانيزي في معرض تونس الدولي للكتاب: فـلـسـطـين جـرح.. شـرخ ومــرآة لما نحن عليه

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كمال‭ ‬الهلالي وسط‭ ‬حضور‭ ‬كثيف‭ ‬امتلأت‭ ‬به‭ ‬القاعة،‭ ‬تحدّثت‭ ‬ف…