بعد المصادقة البرلمانية على قانون الفنان في تونس: بين مكسب التشريع ومخاوف الوصاية على الإبداع
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
لم تمرّ المصادقة البرلمانية على قانون الفنان والمهن الفنية في تونس بهدوء. فمنذ الإعلان عن إقراره، انقسمت ردود الفعل بين من اعتبره خطوة تاريخية طال انتظارها لتنظيم قطاع ظلّ لعقود يعيش في الهشاشة والفراغ القانوني، وبين من رأى فيه نصًّا يحمل، رغم إيجابياته، بذور رقابة مقنّعة قد تُربك حرية الإبداع وتفتح الباب أمام البيروقراطية.
هذا الجدل الواسع كشف، في العمق، صعوبة الوصول إلى قانون يرضي الجميع داخل قطاع متشعّب، تتداخل فيه الأسئلة المهنية بالهواجس الفكرية، والحقوق الاجتماعية بمخاوف الوصاية الإدارية.
المدافعون عن القانون يرون أنّ أهميته الأساسية تكمن في كونه أول محاولة جدية للاعتراف بالفنان بوصفه صاحب مهنة، لا مجرد افاعل ثقافيب يعيش على الهامش. فالنصّ الجديد يتضمّن بنودًا تتعلّق بالحماية الاجتماعية، وتنظيم العقود الفنية، والتغطية الصحية، إضافة إلى تصنيف أوضاع الفنانين بين دائمين ومستقلين ومؤقتين وأصحاب دخل إضافي.
ويرى كثيرون أنّ مجرد انتقال الملف من دائرة الوعود إلى حيّز التشريع يُعدّ تحوّلًا مهمًّا في علاقة الدولة بالقطاع الثقافي، خصوصًا في بلد ظلّ فيه الفنّان لعقود خارج المنظومات الاجتماعية الواضحة.
لكنّ هذا الترحيب لم يمنع ظهور أصوات ناقدة تعتبر أنّ القانون، رغم أهميته، ما يزال بحاجة إلى مراجعات عميقة حتى لا يتحوّل من أداة حماية إلى جهاز ضبط ومراقبة.
بين التنظيم والوصاية
ومن أبرز المواقف التي أثارت تفاعلًا واسعًا، ما كتبه المؤلف الموسيقي ربيع الزموري، الذي أكّد أنّه يؤمن منذ سنوات بضرورة تحسين وضعية الفنان وضمان كرامته الاجتماعية، لكنه عبّر في الآن ذاته عن رفضه للصيغة الحالية للقانون.
واعتبر الزموري أنّ النصّ يحتوي فعلًا على نقاط إيجابية مهمّة، مثل الاعتراف بالفنان كمهنة، والحديث عن الحماية الاجتماعية، وتنظيم العقود الفنية، ودعم الإنتاج الوطني، وإدراج الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي. غير أنّه حذّر من بعض البنود التي قد تؤدي، وفق رأيه، إلى اوصاية إداريةب على الفنان عبر منظومة البطاقات المهنية واللجان والترخيصات.
ويطرح هذا الموقف إحدى أكثر النقاط حساسية في النقاش الحالي والتي يمكن اختزالها في السؤال التّالي: أين ينتهي التنظيم المهني وأين تبدأ الرقابة؟
فالقانون، في نظر عدد من الفنانين، يحتاج إلى ضوابط واضحة تُمكّن الدولة والجهات الداعمة من تحديد صفة الفنان المحترف وضمان شفافية الدعم والتغطية الاجتماعية. غير أنّ هذه الحاجة المشروعة قد تتحوّل، إذا لم تُدار بحذر، إلى آلية إقصاء أو تصنيف بيروقراطي للفنانين.
هواجس العصر الرقمي
لم تتوقّف الانتقادات عند مسألة البطاقة المهنية فقط، بل امتدت إلى ما اعتبره البعض ضعفًا في مواكبة التحولات الرقمية الكبرى في الصناعة الثقافية.
فالقانون، رغم حديثه عن الفنون الرقمية، ما يزال أسير رؤية تقليدية للفن مرتبطة بالعروض والفضاءات الثقافية، في حين أصبحت الصناعة الموسيقية اليوم قائمة على المنصات الرقمية والبثّ التدفقي وحقوق المحتوى الإلكتروني. هذا إضافة إلى أهمية التساؤل عن غياب معالجة واضحة لمسائل مثل عائدات الـStreaming، وحقوق الفنان على المنصات الرقمية، وحماية المحتوى على YouTube وSpotify، وإدارة البيانات الموسيقية الحديثة.
وهي ملاحظات تعكس تحوّلًا عميقًا في مفهوم الفنان نفسه، إذ لم يعد الإبداع مرتبطًا فقط بالمؤسسات التقليدية، بل أصبح جزءا كبيرا منه يُنتج من خارجها، عبر فضاءات رقمية مفتوحة وعابرة للحدود.
توفيق الجبالية والخوف من عودة الرقيب
وضمن المواقف التي أثارت الانتباه أيضًا، ما نشره المسرحي توفيق الجبالي على صفحته بموقع فايسبوك، حيث عبّر بدوره عن تخوّفات من إمكانية أن تتحوّل بعض فصول القانون إلى مدخل للرقابة على الإبداع تحت غطاء التنظيم المهني.
وقد أعاد هذا الموقف إلى الواجهة ذاكرة طويلة من التوتر بين الفنان والمؤسسة الرسمية في تونس، حيث ارتبطت بعض القوانين الثقافية تاريخيًا بمنطق الضبط أكثر من منطق الحماية. ولذلك يبدو الجدل الحالي مفهومًا، لأنّ الفنّان التونسي يريد قانونًا يحميه اجتماعيًا دون أن يقيّد حريته أو يخضعه لمنطق االترخيص بالإبداع”
استحالة إرضاء الجميع
الحقيقة أنّ أي قانون ينظّم قطاعًا بهذه الدرجة من التنوع والتشعّب لن يكون قادرًا على إرضاء الجميع. فهناك من يرى الأولوية في الحماية الاجتماعية، وهناك من يضع حرية الإبداع فوق كل اعتبار، فيما تنظر الدولة والجهات المانحة إلى المسألة من زاوية الحوكمة والشفافية وضبط الدعم العمومي.
وينبغي التذكير دائما في قلب هذا الجدل المثمر أنّ تونس، بخلاف بلدان ذات صناعات ثقافية قوية، ما تزال تفتقر إلى سوق فنية قادرة على استيعاب أغلب المبدعين. ولذلك يبقى جزء كبير من الفنانين مرتبطًا بمنظومة الدعم العمومي، وهو ما يجعل مسألة تحديد صفة االفنان المحترفب شديدة الحساسية والتعقيد.
قانون قابل للتطوير
ورغم كلّ هذه التحفظات، يبدو واضحًا أنّ قطاعًا كاملًا كان بحاجة إلى إطار قانوني يخرجه من الضبابية. لذلك يتعامل عدد من الفنانين والمهنيين مع النصّ الحالي باعتباره امكسبًا أوليًاب يمكن تطويره وتعديله لاحقًا، لا نصًّا نهائيًا مغلقًا.
فالقوانين الثقافية، بطبيعتها، ليست نصوصًا جامدة، بل مسارات تتغيّر مع تحوّل المجتمع وأشكال الإنتاج الفني. وربّما تكمن قيمة هذا القانون، قبل كل شيء، في أنّه فتح أخيرًا نقاشًا حقيقيًا حول معنى أن تكون فنانًا في تونس اليوم: مبدعًا حرًّا، لكن أيضًا صاحب مهنة وحقوق ومسؤوليات.
رحيل أحد أعمدة البحث التاريخي في تونس خليفة شاطر… مؤرّخ الذاكرة التونسية ووجه الجامعة الهادئ
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي فقدت الجامعة التونسية والوسط الثقافي والفكري…

