في كتابة التاريخ الثقافي، كتاب تكريمي للأستاذ المتميّز لطفي عيسى: من أجل تاريخ تركيبي يراوح بين الجزئيـّة والشموليـّة
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
في افتتاحية الكتاب التكريمي لأستاذ التاريخ الثقافي المتميّز لطفي عيسى الصادر حديثا عن دار الكتاب بعنوان ” في كتابة التاريخ الثقافي”، جمع وتنسيق لطفي بن ميلاد، يكتب الطاهر لبيب عن حضوره مندهشا إحدى حلقات المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل في الكوليج دي فرانس. وصف بروديل “حبّة ملح تعبر الصحراء، من شمالها نحو جنوبها، راسما لها طريقا ومحطّات وناسجا، حولها، علاقات ومشاهد مختلفة الأبعاد.
لم تصل حبّة الملح هذه إلى تمبوكتو إلاّ وقد تعاظمت وتداخلت أبعادها، فإذا هي ظاهرة مركبّة، معقّدة، ككبّة خيوط ملوّنة تحتار في اختيار رأس خيط منها تبدأ تفكيكها..”. ويضيف لبيب قائلا “لست مؤرّخا ولكنّ متابعتي لدرس بروديل، خلال سنة 72−71، جعلتني أكتشف الضرورات المعرفية التي يلبّيها مؤرخ كبير: في وصف الفضاء كان بروديل عارفا بتضاريس الأرض وبالطرق كأنّه مشى فيها. في وصف العلاقات والطقوس التي انبنت في مسار حبّة الملح كان يستحضر الأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا كما لو كان متخصّصا فيهما..”.
ويطرح الأستاذ لبيب عديد الرؤى حول العلاقات بين التاريخ وكيف نقاربه وبين السوسيولوجيا وكيف تنظر بطريقة مغايرة للزمن بحثا عن كليّة تفسّره وتفسّر الظواهر. وعن المحتفى به يقول لبيب: ” لنبق في مسار “حبة الملح” ومع “انعكاس الظل” الذي” يأتيك بما لا تنتظر”، وهو الأقرب إلى غير متخصّص مثلي: مفهوم الكليّة أو هذه الكلمة ” الكبيرة” يقابلها ” التركيب” في نصّ لطفي عيسى المنادي بـ” تاريخ تركيبي… يرواح بين الشموليّة والجزئيّة”..
وإذا كان ” عمل المؤرخ يتمثّل في الكشف عن السياق”، كما يقول لطفي عيسى، فهذا يعني أن الزمن، هذا الجمع في صيغة المفرد، ليس زمن الكرونولوجيا أو الرزنامة وإنما هو زمن أو أزمنة لا يمكن تمثّلها أو تحديدها ولا فهم ايقاعها أو تفسيره إلاّ مشدودة إلى سياقاتها. شدّها إلى السياقات يملؤها ويحرّكها في اتجاهات قد لا تُنتظر…”.
ضمن الباب الأول من الكتاب ” على سبيل التحية”، نجد مقالا بعنوان” مغامرة الحدس والعقل” لعلي اللواتي، يرى فيه أنّ لطفي عيسى ” يجمع في شخصه العالمَ المحقّقَ والمسافر الضارب في تضاريس النفس الانسانية بروح الشاعر الباحث عن حقيقته. وإنّ لذلك المزج بين المسار المنطقي بأدواته العقلية ومنهجه النقدي وبين التماعات الجَنان أمثلةً من صيرورة المشروع الانساني ، حيث وُلد التساؤل العلمي في البدء من رحم الأسطورة الشاعرة، وظلّ يحتفظ منها بقوّة الحدس بالحقائق قبل فحصها بالمناقشة وتأكيدها بالتجربة.
ومن اللافت حقّا ملاحظة ذلك التفاعل لدى لطفي عيسى بين الهاجس العلمي للمؤرخ المقيّد بشروط البحث وقواعده، وبين الشغف بمعرفة أحوال الذات في مراوحة بين التاريخ كموضوع وبين التاريخ كتجربة وجوديّة..”.
كما نقرأ ضمن نفس الباب مقالا بعنوان ” نصب ونسب: محاورة الانسان والأثر في منجز لطفي عيسى” لعبد الحميد الأرقش، ومقالا لعبد الواحد المكني بعنوان: “لطفي عيسى: تأملات في خط سير مؤرخ حصيف من القبيلة إلى الطرقية فالدولة الثقافية”، ومقالا لعادل النفاتي بعنوان: ” من تفكيك الخطاب المناقبي إلى تعدّد مناويل كتابة المعرفة التاريخيّة”.
على عدد من الأبواب، وُزّعت المساهمات لنخبة منتقاة من تونس والمغرب ولبنان تلتقي أو تتقاطع مع المحتفى به في همّه المعرفي وفي مسلكه الأكاديمي المميّز الذي قارب المسألة الطرقيّة من زاوية جديدة موسّعا من مجال البحث من تونس إلى المجال المغاربي، من أجل تاريخ مقارب أبعد مدى، كما افتتح مجال البحث في التاريخ الثقافي، هي: باب ” سؤال الفكر، سؤال المنهج”، باب ” استشكال الدرس التاريخي ثقافيّا”، ” باب ” بين الدرسين التراثي والحضاري”، باب” الحياة الروحية في مقابل الحياة الثقافية” ( بالفرنسية).
وتتناول المساهمات العديد من الاشكاليات: بدايات التأريخ العربي الحديث، التاريخ الشفهي، الاستشراق الجديد، الذاكرة التاريخية وصور الزمن، الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ومشروع الهيمنة الثقافية، بورقيبة السياسي بورقيبة المثقّف، البعد التاريخي في كتابات الموريسكيين، القيروان في خرائط القرن التاسع عشر، إيالة تونس والنخب الحاكمة زمن العثمنة، النقود في التعبيرات الشعبية، المغارب بين البداوة والحضر، حزب البحر والرؤية الشاذلية للنبي،…
من بين المشاركين نذكر عبد الأحد السبتي، محمد عفيفي، شكري المبخوت، عبد الجليل بوقرة، سعيد بحيرة، لمياء العبيدي، حسام الدين شاشية، نورة الوسلاتي، ثريا بالكاهية، رمزي قرمازي.
فرنسيسكا ألبانيزي في معرض تونس الدولي للكتاب: فـلـسـطـين جـرح.. شـرخ ومــرآة لما نحن عليه
الصحافة اليوم:كمال الهلالي وسط حضور كثيف امتلأت به القاعة، تحدّثت ف…

