تعزيز التعاون بين الأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس ونظيرتها برومانيا: ديناميكية تعاون متصاعدة من الدبلوماسية إلى الاقتصاد والتعليم
الصحافة اليوم : عواطف السويدي
تشهد العلاقات التونسية الرومانية خلال الفترة الأخيرة حركية لافتة تعكس إرادة سياسية ومؤسساتية واضحة للارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستويات أكثر تنوعًا وعمقًا. وقد تجلّى هذا التوجه من خلال سلسلة من اللقاءات والاتفاقيات التي شملت مجالات الدبلوماسية، التعليم العالي، الاقتصاد، والتشغيل، بما يؤشر على انتقال هذه العلاقات من الطابع التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد. في هذا الإطار، احتضنت في الآونة الاخيرة العاصمة الرومانية بوخارست لقاء جمع المدير العام المكلف بتسيير الأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس، رياض الدريدي، بنظيره المدير العام للمعهد الدبلوماسي الروماني اجورج فلاد نستورب، وذلك في سياق زيارة عمل، تهدف إلى تفعيل مذكرة التفاهم الموقعة بين المؤسستين في ديسمبر 2023. ويكتسي هذا اللقاء أهمية خاصة باعتباره يندرج ضمن مسار تعزيز التعاون في مجالات التكوين الدبلوماسي وتبادل الخبرات في العلاقات الدولية والتحليل الاستراتيجي، وهي مجالات حيوية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
ولم يقتصر اللقاء على الطابع الرسمي، بل تخللته جلسة حوارية تفاعلية جمعت عددا من الخبراء والأكاديميين الرومانيين، قدم خلالها الجانب التونسي عرضا حول أسس ومبادئ السياسة الخارجية التونسية. ويعكس هذا التوجه حرص تونس على الانفتاح على التجارب الدولية وتبادل الرؤى في إدارة العلاقات الخارجية، بما يعزز من كفاءة الإطارات الدبلوماسية وقدرتها على التفاعل مع التحديات الدولية.
بالتوازي مع هذا اللقاء، برزت ديناميكية لافتة في مجال التعليم العالي، حيث وقّعت جامعة قابس ست مذكرات تفاهم مع عدد من أبرز الجامعات الرومانية في بوخارست، وذلك على هامش مشاركتها في الدورة الثانية للمهرجان الدولي. اPoli International Festب
وتستهدف هذه الاتفاقيات تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي، من خلال تبادل الطلبة والأساتذة وتطوير مشاريع علمية مشتركة، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال في الوسط الجامعي.
وتندرج هذه الخطوة ضمن توجّه أوسع لتدويل الجامعة التونسية وربطها بالشبكات الأكاديمية العالمية، خاصة وأن جامعة قابس تمثل قطبًا علميًا مهمًا في الجنوب الشرقي للبلاد، وتضم أكثر من 20 ألف طالب. كما تعكس هذه الاتفاقيات رغبة في الاستفادة من البرامج الأوروبية، على غرار اإيراسموسب، بما يوفر فرصًا إضافية للطلبة التونسيين للانفتاح على تجارب تعليمية متقدمة.
ولم تقتصر الشراكات الأكاديمية على هذه المبادرة، إذ شهدت التظاهرة الدولية ذاتها توقيع حوالي 30 مذكرة تفاهم بين جامعات تونسية ونظيراتها الرومانية، مما يؤكد وجود إرادة حقيقية لتكثيف التعاون في مجال البحث العلمي والتكوين العالي، وخلق فضاء أكاديمي مشترك قائم على تبادل المعرفة والخبرات.
وتشمل مجالات التعاون بين تونس ورومانيا الجانب الاقتصادي، حيث تم في الآونة الاخيرة تنظيم منتدى الأعمال التونسي الروماني الذي جاء ليعزز هذا التوجه، حيث أكد وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، خلال هذا المنتدى، توفر فرص واعدة لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وأشار إلى إمكانية توسيع حجم المبادلات التجارية واستغلال فرص الاستثمار المتاحة، خاصة في قطاعات استراتيجية مثل صناعة مكونات السيارات، الصناعات الدوائية، النسيج، والخدمات.
ويعكس هذا المنتدى رغبة الجانبين في الانتقال من مستوى المبادلات التقليدية إلى شراكات استثمارية أكثر هيكلة، تقوم على التكامل بين اقتصاد البلدين وتثمين المزايا التنافسية لكل طرف. كما يبرز أهمية الانفتاح على أسواق أوروبا الشرقية كوجهة جديدة للمنتجات التونسية وفرص الاستثمار.
وفي ما يتعلق بمجال التشغيل والتكوين المهني، يتواصل العمل على تفعيل بروتوكول التعاون المبرم بين البلدين في ديسمبر 2023، حيث تم خلال لقاءات ثنائية سابقة الاتفاق على جملة من الإجراءات العملية. ومن أبرز هذه الإجراءات التنسيق بشأن عروض الشغل المتوفرة في السوق الرومانية، ودراسة إمكانية تخصيص حصص لفائدة الكفاءات التونسية، إلى جانب إرساء مشاريع توأمة بين مؤسسات التكوين المهني ووكالات التشغيل في البلدين.
كما تم التأكيد على أهمية ملاءمة الكفاءات مع حاجيات سوق الشغل الدولية، في ظل ما توفره السوق الرومانية من فرص تشغيل تقدر بنحو 100 ألف موطن شغل سنويًا. ويُنظر إلى هذه الإمكانيات باعتبارها فرصة لتعزيز تشغيلية الشباب التونسي وتخفيف الضغط على سوق الشغل المحلية، في إطار مقاربة تقوم على تنظيم الهجرة المهنية وتثمين الكفاءات.
وتستند هذه الديناميكية إلى تاريخ من العلاقات الدبلوماسية بين تونس ورومانيا يعود إلى سنة 1963، وقد تطورت تدريجيا من تعاون سياسي تقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والتعليم والتشغيل والثقافة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت هذه العلاقات ديناميكية متسارعة تجسدت في تكثيف الزيارات الرسمية وتوقيع اتفاقيات جديدة، خاصة في مجالات التعليم العالي والتكوين المهني والتبادل الأكاديمي. وأصبحت تتميز المرحلة الحالية بزخم متجدد يعكس تحولا في طبيعة هذه العلاقات، من تعاون تقليدي إلى شراكة إستراتيجية متعددة المجالات.
وتكشف هذه الديناميكية عن توجّه واضح نحو بناء نموذج تعاون متكامل بين تونس ورومانيا، يرتكز على تبادل الخبرات وتكثيف الشراكات القطاعية، في سياق دولي يتطلب مزيدًا من الانفتاح والتنسيق. كما تبرز أهمية استثمار هذا التعاون وتحويله إلى نتائج ملموسة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
لمزيد تموقع تونس داخل منظومة صحية عالمية بصدد التّشكل: المراهنة على السيادة الدوائية والرقمنة
الصحافة اليوم: عواطف السويدي في سياق دولي يتّسم بتسارع الأزمات الصحية…

