تواتر الحديث في الأيام القليلة الماضية عن الجيش وعن دور المؤسسة العسكرية في بلادنا، وهو أمر طبيعي خصوصا في ظل الأوضاع الوطنية والاقليمية والدولية الراهنة، لكن بعض الأقاويل والقراءات استوجب الوضوح والتوضيح وهو ما فعلته بالضبط وزارة الدفاع الوطني التي وضعت النقاط على الحروف كما يقال.

لقد أكدت الوزارة في بلاغ صادر أول أمس  الخميس  بوضوح أن جيشنا الوطني «جيش جمهوري قائم على الانضباط» وهو يؤدي واجبه الدستوري في الدفاع عن الوطن واستقلاله وحماية وحدة ترابه في إطار الامتثال الكامل للقوانين المنظمة للدولة، وأضافت أنه سيظل وفياً لعقيدته العسكرية، وأن أبناء المؤسسة العسكرية يواصلون أداء مهامهم بروح وطنية عالية ونكران للذات، مع التفاني في خدمة المصلحة العليا للوطن «بكل شرف وأمانة».

ليس ذلك فحسب، جدّدت الوزارة في بلاغها التزام المؤسسة العسكرية التام بالحياد واحترام قوانين الدولة والتراتيب العسكرية، ورفضها لكل محاولات الزج بها في التجاذبات والمزايدات السياسية.

إن موقف «سلطة الإشراف» على المؤسسة العسكرية لا يكتسي أهميته من الشكل فقط حيث جاء البلاغ باسم الوزارة وليس باسم الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني كما جرت العادة، ولكن من الرسائل التي تضمنها والدلالات التي انبنى عليها.

إننا نتحدث عن جيش له مكانة خاصة في وجدان التونسيين تختلف جذريا عن صورة الجيوش في بعض الدول الشقيقة والصديقة لعوامل تاريخية وسياسية ليست خافية على أحد.

إن حجم جيشنا المحدود وتركيزه التقليدي على الدفاع وحماية الحدود والمساعدة أثناء الكوارث أعطته صورة مؤسسة وطنية أكثر منها سلطة سياسية صلبة فقط، ويمكن التذكير هنا بدور المؤسسة العسكرية في ما يُعرف بأحداث قفصة مطلع ثمانينات القرن الماضي والتصدي لمسلحين قادمين من الشقيقة ليبيا عبر الشقيقة الجزائر، أو خلال ملحمة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 غير المكتملة ورفض الدخول في مواجهة دامية مع المحتجين، دون أن ننسى فترات الأزمات المتتالية كأزمة جائحة الكوفيد أو الحرائق الكبرى في الحقول والغابات أو الفيضانات وخصوصا الحرب على الإرهاب.

وفي الحرب على الإرهاب والإرهابيين دفع الجيش ثمنا باهظا، وقدّم بواسل المؤسسة العسكرية تضحيات جسام وسقط كثيرون بين شهداء وجرحى، ولا يمكن في هذا السياق عدم استحضار صورة تلاحم الجنود والأمنيين و«الشعب» عام 2016، في بنقردان والنجاح في اجهاض مشروع إقامة إمارة داعشية إرهابية على أرضنا..

إن هذا الرصيد هو الذي يجعلنا ننظر للجيش التونسي كـ«جيش جمهوري»، «محايد» و«ملتزم» وبعيد عن التجاذبات السياسية والحزبية وغيرها..

ولقد تمت ترجمة ورسم هذه الصورة ودسترة الجيش عبر فصول بعينها في مختلف صيغ دساتير الجمهورية التونسية والتأكيد على أن الدولة تحتكر لوحدها إنشاء القوات المسلحة بمقتضى القانون لخدمة الصالح العام وأن جيشنا الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط والالتزام، مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد وبدعم السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون.

خلاصة القول، جيشنا مؤسسة جمهورية وليس قوة نفوذ حزبي أو سياسي أو اقتصادي أو غيره تدين بالولاء لغير الوطن، واجبه الحياد، ومهمته الأساسية حماية الوطن والسيادة ووحدة التراب الوطني.

‫شاهد أيضًا‬

‎في‭ ‬التعامل‭ ‬القيمي‭ ‬والقانوني‭ ‬مع‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين ‎أقوم‭ ‬المسالك‭.. ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬

‎كثيرة‭ ‬هي‭ ‬مشكلات‭ ‬الساعة‭ ‬وكثيرة‭ ‬هي‭ ‬القراءات‭ ‬بشأنها‭ ‬والتكي‭ ‬يفات‭ ‬المصاغة‭…