تونس تجمع إفريقيا: عندما تتحول رائدات الأعمال إلى جسور للتنمية والتكامل القارّي
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
لم يعد نجاح الدول في عالم اليوم يقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو بما تنتجه مصانعها ومزارعها، بل أيضا بقدرتها على أن تصبح نقطة جذب للفاعلين الاقتصاديين ومركزا للحوار والتعاون وصناعة الفرص. وفي هذا السياق تكتسب الاستعدادات التونسية لاحتضان فعاليات أسبوع صاحبات الأعمال لدول السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا االكوميساب، من 28 جوان إلى 3 جويلية 2026، أهمية تتجاوز حدود حدث اقتصادي عابر لتكشف عن صورة جديدة لتونس وهي تترسخ تدريجيا كمنصة إفريقية للحوار الاقتصادي والاستثمار والشراكة.
فالحدث الذي سيجمع ممثلات عن 21 دولة إفريقية أعضاء في االكوميساب، إلى جانب مشاركات من دول أخرى ومنظمات دولية ووفود قادمة من أوروبا، ليس مجرد معرض تجاري أو سلسلة من الندوات والورشات، إنه مؤشر على مكانة أصبحت تونس تكتسبها في الفضاء الإفريقي بفضل ما راكمته من خبرات وكفاءات ومؤسسات، وبفضل ما تتمتع به المرأة التونسية من حضور اقتصادي ومهني جعلها نموذجا يحظى بالاحترام داخل القارة وخارجها.
لقد اختارت االكوميساب تونس لاحتضان هذا الموعد الاقتصادي القاري في لحظة تشهد فيها إفريقيا تحولات عميقة. فالقارة التي كانت لعقود طويلة مجرد سوق للمواد الأولية أصبحت اليوم فضاء اقتصاديا واعدا يضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون مستهلك، وتزداد فيه الحاجة إلى الشراكات الذكية وإلى المبادرات القادرة على تحويل الإمكانيات إلى مشاريع وفرص عمل ونمو مستدام.
ولعلّ ما يلفت الانتباه في هذا الحدث هو أنه يضع المرأة في قلب المعادلة الاقتصادية. فالمؤتمر والمعرض التجاري لجامعة االكوميساب للنساء صاحبات الأعمال لا ينظر إلى المرأة باعتبارها عنصرا مكمّلا للحياة الاقتصادية، بل باعتبارها فاعلا رئيسيا فيها. وهذه الرؤية ليست جديدة في تونس التي كانت من أوائل الدول العربية والإفريقية التي راهنت على تعليم المرأة وتمكينها وإشراكها في الحياة العامة.
واليوم، لم تعد المرأة التونسية مجرد مشاركة في النشاط الاقتصادي، بل أصبحت صاحبة مؤسسة ومديرة شركة ومستثمرة وخبيرة ومصدّرة وقائدة مشاريع. وقد أثبتت التجربة أن المؤسسات التي تديرها النساء في تونس نجحت في العديد من القطاعات، من الصناعات التقليدية إلى التكنولوجيا الحديثة والخدمات والاقتصاد الرقمي والتجارة الدولية.
ولهذا السبب تحديدا تبدو تونس مؤهلة لاحتضان مثل هذه التظاهرات. فهي لا توفر فقط البنية التحتية والتنظيم اللازمين، بل تقدم أيضا تجربة واقعية يمكن أن تلهم العديد من النساء الإفريقيات الساعيات إلى تعزيز حضورهن الاقتصادي.
إن مشاركة أكثر من 150 عارضة وحضور أكثر من 500 مشاركة بشكل مباشر، إلى جانب ما يفوق 6000 مشاركة عن بعد عبر المنصة الرقمية المخصصة للحدث، يعكس حجم الاهتمام الإفريقي والدولي بهذا الموعد. كما أن اختيار شعار اسوق واحدة، مستقبل واحد: المسارات الرقمية لتعزيز الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقيةب ليس اختيارا اعتباطيا، بل يعكس وعيا متزايدا بأن المستقبل الاقتصادي للقارة لن يبنى فقط بالطرق التقليدية، وإنما أيضا عبر التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية.
وهنا تبرز قيمة تونس المضافة. فالبلاد لا تسعى إلى تقديم نفسها فقط كوجهة للاستثمار، بل كحاضنة للأفكار الجديدة وللمبادرات الاقتصادية الحديثة. ومن خلال الورشات المخصصة للرقمنة والتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية، تقدم تونس صورة بلد يسعى إلى مواكبة التحولات العالمية وعدم الاكتفاء بالأدوار التقليدية.
كما أن احتضان هذا الحدث يبعث برسائل إيجابية إلى المستثمرين والشركاء الاقتصاديين. فحين تختار منظمة إقليمية بهذا الحجم تونس لتنظيم أحد أهم مواعيدها الاقتصادية، فإن ذلك يعكس مستوى من الثقة في استقرار البلاد وقدرتها التنظيمية ومكانتها داخل الفضاء الإفريقي.
ولا تقتصر المكاسب على الجانب الرمزي فقط. فمثل هذه التظاهرات تخلق شبكات من العلاقات المهنية والاقتصادية قد تتحول لاحقا إلى مشاريع استثمارية وشراكات تجارية وعقود تصدير. ولذلك فإن أهمية اللقاءات الثنائية المبرمجة خلال الحدث لا تقل عن أهمية الندوات والمحاضرات. ففي عالم الأعمال غالبا ما تبدأ المشاريع الكبرى من لقاء مباشر أو فكرة مشتركة أو حوار بين شركاء يبحثون عن فرص جديدة.
ومن جهة أخرى، ينسجم هذا الحدث مع التوجه التونسي المتزايد نحو العمق الإفريقي. فقد أدركت تونس خلال السنوات الأخيرة أن مستقبل جزء مهم من نموها الاقتصادي قد يكون في القارة الإفريقية التي ما تزال أسواقها في طور التوسع وتوفر فرصا واعدة للمؤسسات والخبرات والكفاءات التونسية.
كما أن الحضور المرتقب لوفود من ألمانيا وفرنسا ومنظمات دولية يعكس بعدا آخر للحدث، يتمثل في تحويل تونس إلى فضاء يلتقي فيه الشمال بالجنوب، وتلتقي فيه الخبرات الأوروبية بالفرص الإفريقية، بما يعزز دورها كجسر اقتصادي ودبلوماسي بين ضفتي المتوسط والقارة الإفريقية.
إن احتضان تونس لأسبوع صاحبات الأعمال بالكوميسا لا يمثل نجاحا تنظيميا فحسب، بل يعكس صورة بلد يسعى إلى تثبيت موقعه كمنصة للحوار الاقتصادي القاري، وكفضاء يمنح المرأة مكانتها المستحقة في صناعة التنمية. وهي صورة لا تُبنى بالشعارات، بل بالعمل المتواصل وبالقدرة على تحويل اللقاءات والمؤتمرات إلى شراكات حقيقية ومشاريع ملموسة وفرص جديدة للنمو والازدهار.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على استقطاب الاستثمار والثقة، تبدو مثل هذه المواعيد الاقتصادية أكثر من مجرد تظاهرات عابرة؛ إنها استثمار في صورة تونس، وفي مكانة المرأة التونسية، وفي مستقبل شراكة إفريقية تتطلع إلى أن يكون لها صوت أقوى وحضور أكبر في الاقتصاد العالمي.
حين تصبح الصحة قضيّة سيادة: تونس وإفريقيا في مواجهة أوبئة المستقبل
الصحافة اليوم: عادل البرينصي لم تعد الصحة العمومية منذ سنوات شأناً ت…
