2026-06-19

الكفاءة‭ ‬الطبية‭ ‬التونسية‭: ‬ جــســر‭ ‬نـحـو‭ ‬إفـريـقــيـا

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬‭ ‬عادل‭ ‬البرينصي

ليست‭ ‬كل‭ ‬الشراكات‭ ‬الدولية‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬كل‭ ‬الحضور‭ ‬الإقليمي‭ ‬يُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬المبادلات‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭. ‬فهناك‭ ‬دول‭ ‬تصنع‭ ‬مكانتها‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬رأسمال‭ ‬بشري،‭ ‬وبما‭ ‬راكمته‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬ومعارف‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬بين‭ ‬الحضارات‭ ‬والقارات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يأتي‭ ‬افتتاح‭ ‬الدورة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬التكوين‭ ‬الإقليمي‭ ‬Cardiology for Africa‭  ‬ليكشف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬ظلت‭ ‬ثابتة‭ ‬لعقود‭: ‬تونس‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬بلد‭ ‬إفريقي‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬المتوسط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مدرسة‭ ‬طبية‭ ‬ومركز‭ ‬إشعاع‭ ‬علمي‭ ‬وصحي‭ ‬تجاوز‭ ‬إشعاعه‭ ‬حدودها‭ ‬الوطنية‭.‬

فالبرنامج،‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬تونس‭ ‬واليابان‭ ‬وعدداً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تعاون‭ ‬ثلاثي،‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬متانة‭ ‬العلاقات‭ ‬التونسية‭ ‬اليابانية،‭ ‬بل‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطبية‭ ‬التونسية‭ ‬لدى‭ ‬شركاء‭ ‬دوليين‭ ‬من‭ ‬وزن‭ ‬اليابان،‭ ‬وهي‭ ‬دولة‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬ثقتها‭ ‬بسهولة،‭ ‬ولا‭ ‬تبني‭ ‬شراكاتها‭ ‬على‭ ‬المجاملة‭ ‬أو‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الظرفية،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والجدارة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الإنجاز‭.‬

ولعل‭ ‬اختيار‭ ‬تونس‭ ‬لتكون‭ ‬قاعدة‭ ‬لتكوين‭ ‬أطباء‭ ‬القلب‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬دول‭ ‬إفريقية،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬دقيق‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تقنيات‭ ‬متقدمة‭ ‬مثل‭ ‬القسطرة‭ ‬باستعمال‭ ‬بالون‭ ‬إينوي،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أمراً‭ ‬اعتباطياً‭. ‬فاليابان،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬إحدى‭ ‬القوى‭ ‬الطبية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لم‭ ‬تختر‭ ‬تونس‭ ‬لأنها‭ ‬الأقرب‭ ‬جغرافياً‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬وجدت‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يؤهلها‭ ‬لتكون‭ ‬شريكاً‭ ‬موثوقاً،‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وتوطين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتكوين‭ ‬الكفاءات‭.‬

وهذه‭ ‬الثقة‭ ‬ليست‭ ‬وليدة‭ ‬اليوم‭. ‬فالطب‭ ‬التونسي،‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬صنع‭ ‬لنفسه‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬والإفريقية‭. ‬فمنذ‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات،‭ ‬تخرجت‭ ‬من‭ ‬كليات‭ ‬الطب‭ ‬التونسية‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬الذين‭ ‬انتشروا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وأسهموا‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭. ‬كما‭ ‬برزت‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬تخصصات‭ ‬دقيقة‭ ‬عديدة،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬طب‭ ‬القلب‭ ‬وجراحة‭ ‬القلب‭ ‬وزراعة‭ ‬الأعضاء‭ ‬وجراحة‭ ‬الأعصاب‭ ‬وطب‭ ‬العيون،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الطب‭ ‬الوقائي‭ ‬والصحة‭ ‬العمومية‭.‬

وليس‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬طب‭ ‬القلب‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أصبح‭ ‬علامة‭ ‬جودة‭ ‬معترفاً‭ ‬بها‭ ‬إقليمياً‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬المستشفيات‭ ‬الجامعية‭ ‬التونسية‭ ‬إنجازات‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬جراحة‭ ‬القلب‭ ‬والشرايين‭ ‬والتدخلات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬وأصبحت‭ ‬قبلة‭ ‬لمرضى‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬ومن‭ ‬إفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء،‭ ‬كما‭ ‬استقطبت‭ ‬أطباء‭ ‬ومختصين‭ ‬راغبين‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬واكتساب‭ ‬الخبرة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬ثمرة‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتكوين‭ ‬الجامعي،‭ ‬وفي‭ ‬تقاليد‭ ‬طبية‭ ‬عريقة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الطبيب‭ ‬التونسي‭ ‬إسماً‭ ‬يحظى‭ ‬بالاحترام‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭.‬

ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬الجميلة‭ ‬أن‭ ‬اليابان،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬إفريقيا‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الصحي‭. ‬وهذا‭ ‬الاختيار‭ ‬يحمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رسالة‭. ‬فهو‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬تمتلك‭ ‬رصيداً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬والمصداقية‭ ‬يجعلها‭ ‬شريكاً‭ ‬مثالياً‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التعاون‭ ‬الثلاثي‭. ‬كما‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يمر‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬المال‭ ‬والاستثمارات،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬عبر‭ ‬الكفاءات‭ ‬والخبرات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬وصناعة‭ ‬النخب‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬وحده‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬باتت‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬منصة‭ ‬نحو‭ ‬إفريقيا،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬أو‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭. ‬فالموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لصنع‭ ‬هذا‭ ‬الدور،‭ ‬وإنما‭ ‬تحتاجه‭ ‬الكفاءة‭ ‬والسمعة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الفضاء‭ ‬الإفريقي‭ ‬بلغاته‭ ‬وثقافاته‭ ‬وخصوصياته‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬يعزز‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بالدبلوماسية‭ ‬الصحية،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬التي‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭. ‬فحين‭ ‬تساهم‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬أطباء‭ ‬أفارقة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تصدر‭ ‬المعرفة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تبني‭ ‬علاقات‭ ‬إنسانية‭ ‬وعلمية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬وتؤسس‭ ‬لشبكات‭ ‬تعاون‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬اللحظة‭ ‬والظرف،‭ ‬وتفتح‭ ‬آفاقاً‭ ‬جديدة‭ ‬للتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والثقافي‭ ‬والعلمي‭.‬

لقد‭ ‬اعتادت‭ ‬تونس‭ ‬أن‭ ‬تُعرّف‭ ‬نفسها‭ ‬بكونها‭ ‬بلداً‭ ‬صغيراً‭ ‬بإمكانيات‭ ‬محدودة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تجارب‭ ‬كثيرة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بمساحتها‭ ‬ولا‭ ‬بعدد‭ ‬سكانها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬عقول‭ ‬وكفاءات‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬تتنافس‭ ‬فيه‭ ‬الأمم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬تصبح‭ ‬الجامعة‭ ‬والمستشفى‭ ‬ومركز‭ ‬البحث‭ ‬أدوات‭ ‬نفوذ‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬المصانع‭ ‬والأسواق‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬برنامج‭ ‬اCardiology for Africaب‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬دورة‭ ‬تدريبية‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬أعمق‭: ‬تونس‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تمتلك‭ ‬من‭ ‬الرصيد‭ ‬العلمي‭ ‬والبشري‭ ‬ما‭ ‬يؤهلها‭ ‬لتكون‭ ‬مركزاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬للتكوين‭ ‬والخبرة،‭ ‬وجسراً‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬وبين‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬اليابان‭ ‬قد‭ ‬اختارت‭ ‬تونس‭ ‬بوابة‭ ‬نحو‭ ‬القارة‭ ‬السمراء،‭ ‬فلأنها‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأبواب‭ ‬لا‭ ‬تُفتح‭ ‬بالقوة‭ ‬أو‭ ‬المال‭ ‬وحدهما،‭ ‬بل‭ ‬تُفتح‭ ‬بالكفاءة،‭ ‬وتُحفظ‭ ‬بالثقة،‭ ‬وتستمر‭ ‬بالعلم‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تونس‭ ‬تجمع‭ ‬إفريقيا‭: ‬ عندما‭ ‬تتحول‭ ‬رائدات‭ ‬الأعمال‭ ‬إلى‭ ‬جسور‭ ‬للتنمية‭ ‬والتكامل‭ ‬القارّي

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي لم‭ ‬يعد‭ ‬نجاح‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬يقاس‭ ‬ف…