حين تستعيد الأرض وظيفتها.. الدولة تبحث عن مفاتيح التنمية المدفونة
الصحافة اليوم:عادل البرينصيت
ليست كل الثروات مدفونة في باطن الأرض، فبعضها ممدود على سطحها، معطّل بفعل الإهمال، أو رهين النزاعات والإجراءات المعقدة، أو ضائع بين خرائط قديمة وملفات مؤجلة. لذلك لا يبدو الحديث عن حسن توظيف العقارات الدولية، كما جاء على لسان وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية وجدي الهذيلي، مجرد شأن إداري أو تقني يخص الوزارة وحدها، بل هو في الحقيقة عنوان لتوجه اقتصادي وتنموي أوسع، يقوم على إعادة اكتشاف الثروة الصامتة التي تمتلكها الدولة، وتحويلها من أراض جامدة إلى أصول منتجة ومصادر فعلية لدفع الاستثمار والتنمية.
فالدول لا تقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو احتياطات مالية، بل أيضاً بقدرتها على إدارة أصولها وإحكام التصرف فيها. وما قيمة عقار دولي مترامي الأطراف إذا ظل خارج الدورة الاقتصادية، أو بقي أسير ملفات لم تحسم، أو أصبح عرضة للاعتداءات والتجاوزات؟ وما جدوى الثروة إذا كانت عاجزة عن خلق الثروة؟
من هذا المنطلق، تبدو الدعوة إلى تسريع الإجراءات العقارية المرتبطة بالمشاريع العمومية والاستثمارية بمثابة محاولة لإزالة أحد أهم العوائق التي ظلت تعطّل إنجاز المشاريع في تونس. فكم من مشروع بقي سنوات طويلة حبيس التعقيدات العقارية، وكم من استثمارات تعطلت بسبب نزاعات على الملكية أو تأخر في التحديد أو غياب المعطيات الدقيقة؟ وفي عالم تتحرك فيه رؤوس الأموال بسرعة، لا يمكن أن تتحول الإجراءات الإدارية إلى جدران تعيق التنمية، ولا أن تبقى العقارات نفسها جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل.
واللافت في هذا التوجه أنه لا يقتصر على مجرد التصرف في الأراضي، بل يربط بين العقار والتنمية الجهوية، وبين أملاك الدولة والعدالة المجالية. فحين يتم الحديث عن توجيه هذه العقارات لخدمة المناطق الداخلية والجهات ذات الأولوية، فإن الأمر يتعلق بإعادة توزيع الفرص وإعطاء التنمية مضموناً أكثر توازناً. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي إمكانية اقتصادية واجتماعية، وقد تتحول، إذا أحسن استغلالها، إلى مصدر شغل وثروة واستقرار.
ولعل التركيز على أعمال الاستقصاء والتحديد والتسجيل العقاري يعكس وعياً بأن التنمية تبدأ من المعرفة الدقيقة بما تملكه الدولة. فلا يمكن إدارة ما لا يعرف، ولا يمكن حماية ما لم يتم تحديده وتوثيقه. ولهذا تبدو الخارطة الرقمية لأملاك الدولة، التي تسعى الوزارة إلى إنجازها، أكثر من مجرد مشروع معلوماتي. إنها خطوة نحو بناء ذاكرة عقارية حديثة، وقاعدة بيانات شاملة تسمح باتخاذ القرار على أسس واضحة، وتقلص من فرص التجاوزات والاعتداءات، وتضع حداً لحالة الضبابية التي أحاطت لسنوات بجانب مهم من الأملاك العمومية.
وفي الحقيقة، فإن الرقمنة هنا ليست ترفاً إدارياً، بل شرطاً من شروط الحوكمة الحديثة. فالعالم يتجه نحو إدارة الأصول بالبيانات والمعطيات الدقيقة، وتونس بدورها مطالبة بمواكبة هذا التحول حتى لا تبقى رهينة الأساليب التقليدية التي تستهلك الوقت والجهد وتفتح المجال أمام التعطيل والتأويل.
ومن زاوية أخرى، فإن دعوة الوزير إلى التسريع في تحرير الحوزة العقارية لفائدة المشاريع العمومية تحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة لم تعد تقبل بأن تكون الإجراءات سبباً في تعطيل مصالح المواطنين. فالمشروع الذي يتأخر سنوات بسبب إشكال عقاري لا يخسر الوقت فقط، بل يخسر معه الاقتصاد فرصاً للنمو، وتفقد الجهات مواطن شغل كانت في حاجة إليها، وتتراكم كلفة التأخير على المالية العمومية.
وفي هذا السياق، يبرز توجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في جرد الأصول الثابتة المادية للدولة وتقييمها. فالدولة التي تعرف بدقة قيمة ممتلكاتها تصبح أكثر قدرة على توظيفها واستثمارها، وأكثر استعداداً لاستشراف حاجياتها المستقبلية. بل إن بعض الدول حوّلت إدارة أصولها العقارية إلى رافعة حقيقية للنمو، وإلى مصدر تمويل للمشاريع الكبرى، دون الحاجة إلى إثقال كاهل الميزانية أو اللجوء المفرط إلى الاقتراض.
وفي العمق، يعكس هذا التوجه فلسفة جديدة تقوم على اعتبار العقار العمومي رصيداً وطنياً ينبغي أن يخدم التنمية لا أن يبقى مجرد سجل إداري أو موضوع نزاعات لا تنتهي. فالدولة القوية ليست تلك التي تملك أراضي واسعة فحسب، بل تلك التي تعرف كيف تحول هذه الأراضي إلى مدارس ومستشفيات ومناطق صناعية ومشاريع استثمارية ومواطن شغل.
إن الأرض التي لا تؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية تتحول إلى عبء، أما حين تستعيد وظيفتها وتدخل دورة الإنتاج، فإنها تصبح أحد مفاتيح النهوض الاقتصادي. وربما لهذا السبب لم يعد ملف العقارات الدولية ملفاً إدارياً هامشياً، بل أصبح جزءاً من معركة التنمية نفسها، ومن الرهان على بناء اقتصاد أكثر قدرة على استثمار موارده الذاتية، وأكثر استعداداً لتحويل الثروة الصامتة إلى طاقة تنبض بالحياة.
فالبلدان لا تنهض فقط بما تكتشفه من ثروات جديدة، بل أيضاً بما تنجح في استعادة قيمته مما كان موجوداً أمام أعينها، لكنه ظل لسنوات طويلة خارج الحسابات، وكأن الأرض نفسها كانت تنتظر من يعيد إليها وظيفتها الأولى: أن تكون منبعاً للعمران ومصدراً للرخاء.
الكفاءة الطبية التونسية: جــســر نـحـو إفـريـقــيـا
الصحافة اليوم: عادل البرينصي ليست كل الشراكات الدولية تُبنى على رؤوس …
