بعد أيام قليلة من تحذير الأمين العام أنطونيو غوتيريش، أعلن ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة مطلع الأسبوع الجاري، أن المنظمة تمر بفترة عجز مالي بسبب تأخّر أكثر من ثلثي الأعضاء في تقديم مساهمتهم الدورية المستحقة في تمويل المنتظم الأممي.
ووصف دوجاريك الوضع الحالي في الأمم المتحدة خلال مؤتمر صحفي بأنه «وقت تدفّق مالي شحيح»، مشيرا إلى أن المنظمة جمعت أموالا من 117 عضو فقط من بين 193 عضو حتى الآن.
واللافت في الوقت الحاضر استمرار وكالات الأمم المتحدة المتعددة في تنفيذ برامجها الإنسانية والتنموية في مختلف أصقاع العالم رغم ما تواجهه من ضغوط إضافية نتيجة تراجع التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية في عدد من مناطق الأزمات في مشارق الارض ومغاربها وهو ما يعني أن الوضع المالي للأمم المتحدة صعب لكنه ليس انهيارًا ماليًا بعد وهو ما يفرض تحميل المسؤوليات ومعالجة الهنّات من أجل الحفاظ على منجز إنساني قد نختلف في تقييمه لكننا لا نستطيع ان ننكر أنه كان ضروريا لضمان الحد الادنى من التوافق لحفظ الأمن والسلم الدوليين منذ الحرب العالمية الثانية رغم الكلفة الباهظة.
ولم يعد خافيا على أحد أن الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر مساهمة مالية في المنظمة الدولية ـ بالقوة لكونها الدولة النافذة الأولى في المشهد الدولي ـ هي التي اختارت سياسة تجفيف المنابع لتسهيل عملية التطويع والسيطرة على الأجندة الأممية.
وقد صرّح المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز بوضوح بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب علّقت تمويل الأمم المتحدة في انتظار إصلاح الهيئة الدولية واضاف في وقت سابق أن «الرئيس يؤخر التمويل الأمريكي حتى نلمس الإصلاحات لدى الهيئة»..!
إنّ الاصلاح تحوّل من مطلب مشروع ترفعه عديد الدول والشعوب والنخب أيضا، تحوّل من حق إلى باطل، لأن الادارة الأمريكية تتحكم في أهم جهاز بالأمم المتحدة وهو مجلس الأمن وفيه ترفع حق النقض/الفيتو كما اتفق واذا تعذّر عليها التحكم في مسار التصويت وتمرير خياراتها، تخرج القضية برمّتها من الشرعية الدولية المجسدة في الأمم المتحدة، وتؤسس أطرا موازية كمجلس السلام في غزة أو الرباعي الراعي للحوار الدولي أو المفاوضات حول الملف النووي الإيراني وغيره..
إن ما يفاقم الأزمة المالية للأمم المتحدة ببساطة اليوم هو تأخر عديد الدول الأعضاء بسداد مساهماتها، ولئن كان السبب سياسيا بالنسبة إلى البعض وخاصة بالنسبة إلى الولايات المتحدة و«أتباعها»، فإن البعض الآخر تعوزه الامكانيات المادية حقيقة، أضف إلى ذلك زيادة النفقات حيث ارتفعت تكاليف عمليات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية والبرامج التنموية وتكاليف التشغيل ايضا بسبب التضخم.
وما أنهك الأمم المتحدة فوق كل ذلك تزايد الأزمات العالمية والنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والأوبئة وأزمات اللاجئين والمهاجرين مع احتدام الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء.
ونتيجة لهذه الأزمة، اضطرت الأمم المتحدة في بعض الفترات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مثل تقليص النفقات، وتأجيل بعض الأنشطة، والحد من التوظيف والسفر، مع استمرار الدعوة إلى الدول الأعضاء لسداد مساهماتها في الوقت المحدد.
إن العجز المالي يهدّد دون مبالغة وجود الأمم المتحدة وهو يضرب مصداقيتها في الوقت الحاضر لانها تجد نفسها مقصّرة في حق الشعوب، وغير قادرة على الوفاء بتعهداتها ونتحدث هنا بالخصوص عن الوكالات التي لها طابع إنساني في تدخلاتها على غرار منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف واليونسكو ومفوضية اللاجئين والبرنامج العالمي للاغذية وغيره الى جانب بعثات حفظ السلام.
ولئن يتفهم المرء عجز بعض الدول الفقيرة عن تسديد مساهماتها في تمويل الأمم المتحدة، فإنّ انتهاج سياسة تجفيف المنابع الذي تستخدمه الادارة الأمريكية ومن لفّ لفّها ليس في مصلحة بني البشر وكلفة انهيار المنظمة الدولية أخطر بكثير من بقائها وإصلاحها على قاعدة العدالة والحرية والكرامة وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
حمايتها أمن قومي.. المحاصيل الزراعية خطّ أحمر
تشكل حرائق الغابات وحرائق المحاصيل الزراعية بشكل خاص تحدّيًا متكررًا في بلادنا مع حلول فص…







