2026-07-15

‭ ‬العرض‭ ‬الموسيقي‭ ” ‬شيراز‭” ‬لظافر‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي‭:‬ الـمـوسـيـقـى‭ ‬تـحـلـيـق‭ ‬مــا‭ ‬بـيــن‭ ‬الــسمـــــاء‭ ‬والأرض

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬كمال‭ ‬الهلالي

بعد‭ ‬غياب‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬عاد‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬إلى‭ ‬ركح‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬ثاني‭ ‬سهراته‭ ‬محملا‭ ‬بتجارب‭ ‬وخبرات‭ ‬أكثر‭ ‬ضمن‭ ‬نفس‭ ‬المشروع‭ ‬الموسيقي‭ ‬الخاص‭ ‬الذّي‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬علامة‭ ‬مخصوصة‭ ‬لا‭ ‬شرقية‭ ‬ولا‭ ‬غربية‭.‬

أمام‭ ‬شبابيك‭ ‬مغلقة‭ ‬كان‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬حضر‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الأحد‭ ‬12‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬موسيقى‭ ‬مختلفة،‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬مختلف‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ” ‬شيراز‭”. ‬هو‭ ‬عرض‭ ‬ولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬تجربة‭ ‬مؤلمة‭ ‬وضعت‭ ‬ظافر‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬فقدان‭ ‬شخص‭ ‬عزيز‭ ‬بسبب‭ ‬المرض‭. ‬احتمال‭ ‬الفقدان‭ ‬فتح‭ ‬على‭ ‬آفاق‭ ‬أخرى،‭ ‬فاسم‭ ‬شيراز‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬اسما‭ ‬لحبيبة‭ ‬أو‭ ‬اسما‭ ‬لمدينة‭ ‬لها‭ ‬محمول‭ ‬شعري‭ ‬روحاني‭ ‬يتجاوز‭ ‬الجغرافيا‭ ‬إلى‭ ‬الروح‭.‬

في‭ ‬جغرافيا‭ ‬الروح‭ ‬يحلّق‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬أصوات‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬إلا‭ ‬هو‭ ‬أين‭ ‬تقع‭ ‬وكيف‭ ‬يجلبها‭ ‬بنبرات‭ ‬صوته‭ ‬محتفظا‭ ‬بغرائبيتها‭ ‬وببراءتها‭ ‬وفطرتها‭ ‬الأولى‭ ‬وبلغزها‭. ‬يُعرف‭ ‬عن‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬صيحاته،‭ ‬آهاته،‭ ‬موالاته‭ ‬المخصوصة،‭ ‬نداءاته؛‭ ‬كأنّه‭ ‬يُلقي‭ ‬بنفسه‭ ‬ويُلقي‭ ‬بنا‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬أرضٍ‭ ‬بكْرٍ،‭ ‬أرض‭ ‬أولى‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬ماهي‭ ‬ولكنّنا‭ ‬نحسّها‭ ‬لأنّها‭ ‬تخاطب‭ ‬وشائج‭ ‬أضعناها‭ ‬أوهي‭ ‬مخبوءة‭ ‬عنّا،‭ ‬تجمعنا‭ ‬بالكون‭ ‬وبروح‭ ‬أكبر‭ ‬منّا‭ ‬جميعا‭.‬

كأنّ‭ ‬موسيقى‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬صلاة،‭ ‬أغنية‭ ‬دروايش‭ ‬لا‭ ‬مرئيين‭. ‬وللوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التركيب‭ ‬النابض‭ ‬الحيّ‭  ‬المُشفّر،‭ ‬يعوّل‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬على‭  ‬قوّة‭ ‬صوته‭ ‬وعلى‭ ‬طبقاته‭ ‬العالة‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬الصوت‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬آلة‭ ‬موسيقية‭ ‬يعزف‭ ‬عليها،‭ ‬لذلك‭ ‬يختار‭ ‬في‭ ‬العادة‭  ‬بيتا‭ ‬أو‭ ‬بيتين‭ ‬لصوفيين‭ ‬كبار‭ ‬كالحلاج‭ ‬أو‭ ‬ابن‭ ‬الفارض،‭  ‬يستجلي‭ ‬ما‭ ‬يستبطن‭ ‬فيهما‭ ‬من‭ ‬طبقات‭ ‬المعنى‭ ‬ويلوّنها‭ ‬بطبقات‭ ‬صوته‭. ‬يُوسع‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬القليل‭ ‬ويجعله‭ ‬أكثر‭. ‬الاستثناء‭ ‬ربّما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬الحمامات‭ ‬حين‭ ‬غنّى‭ ‬أبيات‭ ‬أطول‭ ‬للشاعر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭: ” ‬يا‭ ‬دامي‭ ‬العينين‭ ‬والكفيين،‭  ‬إنّ‭ ‬الليل‭ ‬زائلْ،‭ ‬لا‭ ‬غرفة‭ ‬التوقيف‭ ‬باقيةٌ،‭ ‬ولا‭ ‬زرد‭ ‬السلاسلْ،‭ ‬نيرون‭ ‬مات‭ ‬ولم‭ ‬تمت‭ ‬روما،‭ ‬بعينيها‭ ‬تقاتلْ،‭ ‬وحبوب‭ ‬سنبلة‭ ‬تموت،‭ ‬ستملأ‭ ‬الوادي‭ ‬سنابلْ‭”. ‬

هذه‭ ‬الإفاضة‭ ‬ربّما‭ ‬فرضها‭ ‬الحدث‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للفلسطيني‭ ‬المحاصر‭ ‬في‭ ‬رقعة‭ ‬ضيّقة‭ ‬من‭ ‬أرضه‭ ‬التاريخية‭ ‬اسمها‭ ‬غزّة‭.‬

في‭ ‬عرض‭ ‬الحمامات‭ ‬قدّم‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬مقاطع‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬أحدث‭ ‬ألبوماته‭ ” ‬شيراز‭” ‬ومن‭ ‬ألبومات‭ ‬أخرى،‭ ‬بنفس‭ ‬الروح‭. ‬بدا‭ ‬بلباسه‭ ‬الأسود‭ ‬الفضفاض‭ ‬وتحرّكه‭ ‬على‭ ‬الركح‭ ‬وحركاته‭ ‬كأنّه‭ ‬يبني‭ ‬حوارية‭ ‬مع‭  ‬نفسه‭ ‬ومع‭ ‬الأوج‭ ‬الفسيح‭ ‬ومع‭ ‬الموسيقيين‭ ‬الذين‭ ‬صاحبوه‭. ‬العود‭ ‬يحاور‭ ‬البيانو‭ ‬و‭ ‬الكونتر‭ ‬باص‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬ايقاع‭ ‬خفيّ‭ ‬هو‭ ‬بدوره‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ايقاع‭ ‬أكبر‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬على‭ ‬حال،‭ ‬دائم‭ ‬التدفق‭ ‬والسيلان‭. ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬شأن‭. ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ارتجالا‭ ‬في‭ ‬موسيقاه‭ ‬هو‭ ‬ارتجال‭ ‬محسوب‭ ‬ضمن‭ ‬مقام‭ ‬وضمن‭ ‬حالة‭ ‬شعورية‭ ‬تفتح‭ ‬على‭ ‬حالات‭ ‬أو‭ ‬مقامات‭ ‬أعلى‭.‬

يُترجم‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬ما‭ ‬يعتقده‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬الموسيقى‭ ‬هي‭ ‬تحليق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬السماء‭ ‬والأرض‭ ‬إلى‭ ‬أصوات‭ ‬وألحان‭ ‬وتموّجات،‭ ‬كأنّه‭ ‬يركّب‭ ‬للروح‭ ‬أجنحة‭ ‬تطير‭ ‬بها‭ ‬وتخلّصها‭ ‬من‭ ” ‬الطين‭ ‬اللازب‭”‬،‭ ‬شرطها‭ ‬الانساني،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬الأرض،‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬الطين،‭ ‬لتجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬خفّة‭ ‬وأكثر‭ ‬اتساعا‭ ‬ولطفا،‭ ‬فوحدها‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الموسيقى‭ ‬تجعلنا‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬الجوهر‭ ‬الحيّ‭ ‬المتعدّد‭ ‬الأسماء‭: ‬الروح،‭ ‬الله،‭ ‬لغز‭ ‬الكون‭..‬

وللوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬الموسيقيين‭  ‬والصوفية‭ ‬الكبار،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭ ‬إلاّ‭ ‬إلى‭  ‬صوته‭  ‬الجبّار‭ ‬وإلى‭ ‬عوده‭ ‬الذّي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬آلة‭ ‬تستوعب‭ ‬كلّ‭ ‬موسيقات‭ ‬العالم‭ ‬وتترجم‭ ‬أوتارها‭ ‬كلّ‭ ‬الجمل‭ ‬الموسيقية‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬جملة‭ ‬موسيقية‭ ‬شرقية‭ ‬أو‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬موسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬أو‭ ‬الهنود،‭ ‬وإلى‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ينابيع‭ ‬أولى‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭  ‬ولا‭ ‬يدركها‭ ‬إلا‭ ‬هو‭.‬a

‫شاهد أيضًا‬

افتتحت مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين: ” الهاربات” لوفاء الطبوبي: علــيـنـا أن نـسـأل: مـمـّا نــهـــربُ حقّا ؟