2026-07-16

الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬لاكتساح‭ ‬الأسواق‭ ‬

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي

هناك‭ ‬نوعان‭ ‬من‭ ‬السفارات‭. ‬سفارة‭ ‬تكتفي‭ ‬برفع‭ ‬العلم،‭ ‬واستقبال‭ ‬الوفود،‭ ‬وإرسال‭ ‬البرقيات‭. ‬وسفارة‭ ‬أخرى‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬المستثمر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عنها،‭ ‬وتفتح‭ ‬للأسواق‭ ‬أبوابًا‭ ‬جديدة،‭ ‬وتحوّل‭ ‬العلاقات‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع،‭ ‬والابتسامات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬إلى‭ ‬مصانع‭ ‬وفرص‭ ‬عمل‭.‬

الفرق‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬دبلوماسية‭ ‬تستهلك‭ ‬الوقت،‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬تصنع‭ ‬الاقتصاد‭.‬

اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬ممثل‭ ‬السفارة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬بكين‭ ‬بمسؤولي‭ ‬الصندوق‭ ‬الصيني‭ ‬الإفريقي‭ ‬للتنمية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬باعتباره‭ ‬خبرًا‭ ‬بروتوكوليًا‭ ‬عابرًا‭. ‬ففي‭ ‬ظاهره‭ ‬اجتماع‭ ‬بين‭ ‬مسؤولين،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬يعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬في‭ ‬وظيفة‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬فالسفارة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬نافذة‭ ‬سياسية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬رأس‭ ‬حربة‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وهي‭ ‬معركة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬معركة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬أخرى‭.‬

لقد‭ ‬تغيّر‭ ‬العالم‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الدول‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬الحلفاء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬المستثمرين‭ ‬أيضًا‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬تقاس‭ ‬بعدد‭ ‬البيانات‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬توقّعها،‭ ‬بل‭ ‬بعدد‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬استقطابها،‭ ‬وحجم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تدخلها،‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬لشبابها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الجديد،‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬الشعارات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬الخطب،‭ ‬بل‭ ‬يقرأ‭ ‬الأرقام‭. ‬ولا‭ ‬يستثمر‭ ‬في‭ ‬الأمنيات،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬قانونية‭ ‬مستقرة،‭ ‬وإدارة‭ ‬ناجزة،‭ ‬ورؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة‭.‬

ولهذا‭ ‬تكتسب‭ ‬الصين‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭.‬

فالصين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬عملاقة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬مصدّري‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أسواق‭ ‬لبيع‭ ‬منتجاتها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬شركاء‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمية‭. ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬النقاش‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬باعتبارها‭ ‬مصنعًا‭ ‬ضخمًا،‭ ‬بينما‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬التمويل‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭.‬أما‭ ‬تونس،‭ ‬فهي‭ ‬تحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭.‬

الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬لا‭ ‬يعاني‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬التمويل،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬ديناميكية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مستثمر‭ ‬أجنبي‭ ‬يدخل‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬يضيف‭ ‬أموالًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يضيف‭ ‬خبرة،‭ ‬وتكنولوجيا،‭ ‬وسوقًا‭ ‬جديدة،‭ ‬وثقة‭ ‬يحتاجها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬الصندوق‭ ‬الصيني‭ ‬الإفريقي‭ ‬للتنمية‭.‬

فهذا‭ ‬الصندوق‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬المساعدات‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬باستهلاك‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬الاستثمار‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬ثروة‭. ‬إنه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬مشاريع‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وعن‭ ‬مؤسسات‭ ‬تنمو،‭ ‬وعن‭ ‬اقتصادات‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬قدميها‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬تونس‭ ‬إذا‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬صناعة‭ ‬الفرص‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬قولها‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬الإصلاح‭ ‬الداخلي‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭.‬

كل‭ ‬يوم‭ ‬يتأخر‭ ‬فيه‭ ‬إصلاح‭ ‬الإدارة‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬تخسره‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وكل‭ ‬قانون‭ ‬غامض،‭ ‬أو‭ ‬إجراء‭ ‬معقد،‭ ‬أو‭ ‬رخصة‭ ‬تتأخر،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬رسالة‭ ‬سلبية‭ ‬تُرسل‭ ‬إلى‭ ‬المستثمر،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬السفارات‭ ‬تبذل‭ ‬أقصى‭ ‬جهودها‭ ‬في‭ ‬الترويج‭ ‬لتونس‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬العلاقات‭ ‬التونسية‭ ‬الصينية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬اللقاءات،‭ ‬وإنما‭ ‬بعدد‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬النور‭. ‬فالمذكرات‭ ‬لا‭ ‬تشغل‭ ‬الشباب،‭ ‬والبيانات‭ ‬المشتركة‭ ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬نسبة‭ ‬النمو،‭ ‬والصور‭ ‬التذكارية‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬التنمية‭.‬

المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬كم‭ ‬مصنعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬أُنشئ؟‭ ‬كم‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬خُلقت؟‭ ‬كم‭ ‬مؤسسة‭ ‬تونسية‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الصينية؟‭ ‬وكم‭ ‬شركة‭ ‬صينية‭ ‬اختارت‭ ‬تونس‭ ‬لتكون‭ ‬قاعدة‭ ‬لإنتاجها‭ ‬نحو‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا؟

وتملك‭ ‬تونس‭ ‬بالفعل‭ ‬أوراقًا‭ ‬مهمة‭. ‬فهي‭ ‬تقع‭ ‬عند‭ ‬ملتقى‭ ‬القارتين‭ ‬الإفريقية‭ ‬والأوروبية،‭ ‬وتمتلك‭ ‬اتفاقيات‭ ‬تجارية‭ ‬متنوعة،‭ ‬وكفاءات‭ ‬بشرية‭ ‬معترفًا‭ ‬بها،‭ ‬وقربًا‭ ‬لوجستيًا‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الأوروبية‭. ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬مطالبة‭ ‬بتحويل‭ ‬هذه‭ ‬المزايا‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬نظرية‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬جذب‭ ‬حقيقية‭.‬

وليس‭ ‬خافيًا‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬بدورها‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬استثماراتها‭ ‬الخارجية‭. ‬فهي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬شركاء‭ ‬مستقرين،‭ ‬وعن‭ ‬مواقع‭ ‬إنتاج‭ ‬جديدة،‭ ‬وعن‭ ‬ممرات‭ ‬لوجستية‭ ‬تربط‭ ‬آسيا‭ ‬بإفريقيا‭ ‬وأوروبا‭. ‬وإذا‭ ‬أحسنت‭ ‬تونس‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬فإنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬إقليمية‭ ‬للإنتاج‭ ‬والتصدير‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬تلقائيًا‭.‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليست‭ ‬عملاً‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬وحدها‭. ‬إنها‭ ‬سياسة‭ ‬دولة‭ ‬كاملة‭. ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الحكومة،‭ ‬وتمر‭ ‬عبر‭ ‬الوزارات‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬السفارات،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مشاريع‭ ‬واستثمارات‭ ‬وفرص‭ ‬عمل‭.‬

إن‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬احتضنته‭ ‬بكين‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭. ‬أما‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬فلن‭ ‬يقاس‭ ‬بما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬الاجتماع،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬سيُبنى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬التونسية‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬وسنوات‭.‬

ليس‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬اهتمام‭ ‬الصين،‭ ‬فذلك‭ ‬ممكن،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬اقتصادية‭ ‬دائمة،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬رافعة‭ ‬للتنمية،‭ ‬ومن‭ ‬السفارة‭ ‬مصنعًا‭ ‬للأمل،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مكتب‭ ‬بريد‭ ‬يحمل‭ ‬الرسائل‭ ‬بين‭ ‬العواصم‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تقرير البنك المركزي التونسي لسنة 2025 بين اقتصادٍ صامد، و استشراف للحلول