الدبلوماسية الاقتصادية آفاق جديدة لاكتساح الأسواق
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
هناك نوعان من السفارات. سفارة تكتفي برفع العلم، واستقبال الوفود، وإرسال البرقيات. وسفارة أخرى تبحث عن المستثمر قبل أن يبحث عنها، وتفتح للأسواق أبوابًا جديدة، وتحوّل العلاقات السياسية إلى مشاريع، والابتسامات الدبلوماسية إلى مصانع وفرص عمل.
الفرق بينهما هو الفرق بين دبلوماسية تستهلك الوقت، ودبلوماسية تصنع الاقتصاد.
اللقاء الذي جمع ممثل السفارة التونسية في بكين بمسؤولي الصندوق الصيني الإفريقي للتنمية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرًا بروتوكوليًا عابرًا. ففي ظاهره اجتماع بين مسؤولين، لكنه في جوهره يعكس تحولًا في وظيفة الدولة نفسها. فالسفارة لم تعد مجرد نافذة سياسية، بل أصبحت رأس حربة في معركة الاستثمار، وهي معركة لا تقل أهمية عن أي معركة دبلوماسية أخرى.
لقد تغيّر العالم. لم تعد الدول تتنافس على كسب الحلفاء فقط، بل على كسب المستثمرين أيضًا. ولم تعد قوة الدولة تقاس بعدد البيانات المشتركة التي توقّعها، بل بعدد المشاريع التي تنجح في استقطابها، وحجم التكنولوجيا التي تدخلها، وفرص العمل التي توفرها لشبابها.
وفي هذا العالم الجديد، لا تكفي الشعارات الاقتصادية. رأس المال لا يقرأ الخطب، بل يقرأ الأرقام. ولا يستثمر في الأمنيات، وإنما في بيئة قانونية مستقرة، وإدارة ناجزة، ورؤية اقتصادية واضحة.
ولهذا تكتسب الصين أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس.
فالصين لم تعد مجرد قوة صناعية عملاقة، بل أصبحت أحد أكبر مصدّري الاستثمار في العالم. وهي لا تبحث عن أسواق لبيع منتجاتها فقط، بل عن شركاء قادرين على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية. وهذه نقطة كثيرًا ما تغيب عن النقاش العربي، الذي ما يزال ينظر إلى الصين باعتبارها مصنعًا ضخمًا، بينما أصبحت في الواقع شريكًا في التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة.أما تونس، فهي تحتاج اليوم إلى الاستثمار أكثر من حاجتها إلى الخطابات التي تتحدث عن الاستثمار.
الاقتصاد التونسي لا يعاني فقط من نقص التمويل، بل من نقص المشاريع الكبرى القادرة على خلق ديناميكية اقتصادية جديدة. ولهذا فإن أي مستثمر أجنبي يدخل البلاد لا يضيف أموالًا فحسب، بل يضيف خبرة، وتكنولوجيا، وسوقًا جديدة، وثقة يحتاجها الاقتصاد أكثر من أي وقت مضى.ومن هنا تأتي أهمية الصندوق الصيني الإفريقي للتنمية.
فهذا الصندوق لا يقوم على فلسفة المساعدات التي تنتهي باستهلاك الأموال، بل يقوم على فلسفة الاستثمار الذي ينتج ثروة. إنه يبحث عن مشاريع قادرة على الاستمرار، وعن مؤسسات تنمو، وعن اقتصادات تستطيع أن تقف على قدميها. وهذه هي الفلسفة التي تحتاجها تونس إذا أرادت أن تنتقل من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد صناعة الفرص.
لكن الحقيقة التي ينبغي قولها هي أن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية لا يبدأ في بكين، بل يبدأ في تونس وهنا يصبح الإصلاح الداخلي جزءًا من السياسة الخارجية.
كل يوم يتأخر فيه إصلاح الإدارة هو يوم تخسره الدبلوماسية الاقتصادية. وكل قانون غامض، أو إجراء معقد، أو رخصة تتأخر، هو في الحقيقة رسالة سلبية تُرسل إلى المستثمر، حتى وإن كانت السفارات تبذل أقصى جهودها في الترويج لتونس.
ولذلك، فإن نجاح العلاقات التونسية الصينية لا ينبغي أن يقاس بعدد اللقاءات، وإنما بعدد المشاريع التي ترى النور. فالمذكرات لا تشغل الشباب، والبيانات المشتركة لا ترفع نسبة النمو، والصور التذكارية لا تصنع التنمية.
المعيار الحقيقي هو: كم مصنعًا جديدًا أُنشئ؟ كم فرصة عمل خُلقت؟ كم مؤسسة تونسية استفادت من التكنولوجيا الصينية؟ وكم شركة صينية اختارت تونس لتكون قاعدة لإنتاجها نحو إفريقيا وأوروبا؟
وتملك تونس بالفعل أوراقًا مهمة. فهي تقع عند ملتقى القارتين الإفريقية والأوروبية، وتمتلك اتفاقيات تجارية متنوعة، وكفاءات بشرية معترفًا بها، وقربًا لوجستيًا من الأسواق الأوروبية. لكنها في المقابل مطالبة بتحويل هذه المزايا من إمكانات نظرية إلى عناصر جذب حقيقية.
وليس خافيًا أن الصين بدورها تعيد رسم خريطة استثماراتها الخارجية. فهي تبحث عن شركاء مستقرين، وعن مواقع إنتاج جديدة، وعن ممرات لوجستية تربط آسيا بإفريقيا وأوروبا. وإذا أحسنت تونس قراءة هذه التحولات، فإنها تستطيع أن تتحول من سوق صغيرة إلى منصة إقليمية للإنتاج والتصدير.
غير أن ذلك لن يتحقق تلقائيًا.
لهذا فإن الدبلوماسية الاقتصادية ليست عملاً تقوم به وزارة الخارجية وحدها. إنها سياسة دولة كاملة. تبدأ من الحكومة، وتمر عبر الوزارات والمؤسسات، وتصل إلى السفارات، ثم تعود من جديد في شكل مشاريع واستثمارات وفرص عمل.
إن اللقاء الذي احتضنته بكين ليس سوى خطوة في طريق طويل. أما النجاح الحقيقي فلن يقاس بما قيل في قاعة الاجتماع، بل بما سيُبنى على الأرض التونسية بعد أشهر وسنوات.
ليس في قدرتها على كسب اهتمام الصين، فذلك ممكن، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الاهتمام إلى شراكة اقتصادية دائمة، تجعل من الدبلوماسية رافعة للتنمية، ومن السفارة مصنعًا للأمل، لا مجرد مكتب بريد يحمل الرسائل بين العواصم.
