تونس تؤمّن سداد ديونها الخارجية تأكيد قدرة الدولة على احترام إلتزاماتها الخارجية
الصحافة اليوم: خالصة حمروني
نجحت تونس يوم 15 جويلية 2026 في سداد سندات اليوروبوند المستحقة في الأسواق الدولية بقيمة 700 مليون يورو في خطوة مالية مهمة تؤكد قدرة الدولة على احترام التزاماتها الخارجية.
ويعود هذا السند إلى إصدار قامت به تونس في جويلية 2019 بقيمة 700 مليون يورو، لمدة سبع سنوات، وبنسبة فائدة سنوية بلغت 6.375 بالمائة. ومع حلول موعد الاستحقاق، قامت الدولة بخلاص أصل الدين إضافة إلى القسط الأخير من الفوائد، لتبلغ الكلفة الجملية للعملية حوالي 2.5 مليار دينار تونسي.
اقتصاديا، يمثل هذا السداد محطة مهمة بالنسبة إلى المالية العمومية، لأن عدم القدرة على توفير هذه المبالغ في موعدها كان يمكن أن يخلق ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد، سواء من خلال التأثير على الثقة في قدرة تونس على الإيفاء بتعهداتها، أو عبر ارتفاع كلفة التمويل الخارجي مستقبلًا.
لكن السؤال الأساسي المطروح: كيف تمكنت تونس من توفير هذه الأموال؟
الحقيقة أن الدولة لم تعتمد على مورد واحد، بل قامت بتعبئة مجموعة من الموارد المالية لتأمين هذا الاستحقاق. ومن بين هذه الموارد التمويلات الخارجية التي تم الحصول عليها من مؤسسات مالية إقليمية ودولية، على غرار قرض من الصندوق النقد العربي بقيمة تعادل حوالي 312 مليون دولار، إضافة إلى اتفاق تمويل بقيمة 500 مليون دولار مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد.
وهذا يعني أن تونس نجحت في إدارة هذا الاستحقاق عبر توفير جزء كبير من السيولة اللازمة في الوقت المناسب عن طريق قروض أخرى وليس بالضرورة عبر التعويل على مواردها الذاتية وتحقيق فائض مالي كبير في خزينة الدولة يمكنها من خلاص هذا الدين. وما قامت به تونس لا يعد ااستثناءب، فالعديد من الدول تلجأ إلى هذه الآلية التي تعرف في الأسواق المالية بـاإعادة تمويل الدينب، أي تعبئة موارد جديدة لتغطية التزامات مالية قائمة، بهدف المحافظة على الاستقرار وتجنب الأزمات المفاجئة.
على مستوى وطني، يعكس هذا الخلاص مدى التزام تونس بتعهداتها المالية ورؤيتها في إدارة ديونها الخارجية. أما على مستوى أوسع، فهذا النجاح يمثل رسالة إيجابية إلى الأسواق المالية، لأنه يؤكد أن تونس قادرة على خلاص ديونها الخارجية في الوقت المحدد رغم الصعوبات الاقتصادية والضغوط التي تواجه ميزانية الدولة. كما يمكن أن يساهم في دعم الثقة لدى المستثمرين، باعتبار أن انتظام الدولة في خلاص ديونها يعد عاملًا مهمًا في تقييم وضعها المالي.
ان المتابع للشأن الوطني، يدرك أنه بقدر ما يعد سداد االيوروبوندب نقطة إيجابية تحسب لتونس الا انه، في المقابل، يعمّق مشكلة ديون تونس الخارجية لان الخلاص تم في جزء كبير منه عن طريق قروض أخرى وليس عن طريق موارد ذاتية. الأمر الذي يفتح نقاشًا أوسع حول قدرة الاقتصاد التونسي على خلق موارده الذاتية وتقليص الاعتماد على التمويلات الخارجية.
تونس التي لجأت الى تمويل من صندوق النقد العربي بقيمة تعادل حوالي 312 مليون دولار واخر بقيمة 500 مليون دولار من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، كان بإمكانها أن تخفف من حاجتها إلى الاقتراض الخارجي لو تمكنت بعض القطاعات الأساسية من استعادة نسقها السابق وتحقيق مردودية أكبر. ويعدّ قطاع الفسفاط في مقدمة هذه القطاعات، باعتباره أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في البلاد. فلو ضمنت الحكومة عودة إنتاج الفسفاط إلى سالف عهده عبر تحسين ظروف الإنتاج وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة به، لحقق هذا الأخير نتائج أفضل ووفر موارد إضافية لميزانية الدولة. كما يمثل القطاع الفلاحي فرصة كبيرة لتعزيز موارد تونس الخارجية، خاصة من خلال تطوير صادرات زيت الزيتون والتمور والمنتجات الفلاحية الأخرى.
عموما، يمثل نجاح تونس في سداد االيوروبوندب خطوة إيجابية ومهمة، لكنه يجب أن يكون بداية تحدّ جديد شعاره مزيد التعويل على الموارد الذاتية عوض اللجوء إلى الاقتراض الخارجي. وهذا التحدي من شأنه أن يتحول من مجرد شعار إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع لو تكاثفت الجهود لزيادة الإنتاج ودعم القطاعات المصدرة ودعم القطاعات الواعدة مثل الاستثمار والسياحة وتحويلات التونسيين بالخارج . فنجاج اقتصاد تونس في تحقيق نسب نمو ملموسة لن يقاس فقط بقدرته على سداد الديون، بل على قدرته في التقليل من سياسة الاقتراض والاعتماد على إمكانياته الذاتية.
صحيح ان تونس تجاوزت اختبارا ماليا مهما، لكن الاختبار الأكبر يبقى هو تحويل هذا النجاح إلى فرصة لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني. ولأن هذا النجاح لن يكون وليد الصدفة، فإنه من الضروري مواصلة سياسة الاصلاحات الاقتصادية التي قطعت فيها تونس شوطا كبيرا ودعم القطاعات الحساسة وخاصة قطاع الفسفاط والسياحة إضافة إلى ايلاء القطاع الفلاحي اهمية كبرى لما يمتلكه من مقومات ليكون قطاعا اقتصاديا حيويا قادرا على توفير موارد مالية هامة لخزينة الدولة.
منتدى تونس العالمي: رهان استراتيجي لربط الكفاءات وتعزيز الاقتصاد الوطني
الصحافة اليوم : خ/ حمروني يشكّل منتدى تونس العالمي المرتقب تنظيمه …

