2026-07-20

أزمة الكهرباء في تونس : أين الخلل ؟ وما هي الحلول الممكنة؟

تشهد تونس هذه الأيام وخاصة مع ظهور موجة الحر، تواتر انقطاع الكهرباء في كل مناطق الجمهورية وهو ما اثار حالة من التذمر والشكوى من قبل المواطنين الذين تضرروا بأشكال مختلفة ومتفاوتة .

 وهذا ما يطرح تساؤلات حول الأسباب العميقة للأزمة:

هل تعاني البلاد من نقص في إنتاج الكهرباء، أم أن الإشكالية تكمن في شبكة النقل والتوزيع؟ أم أن الأمر يتعلق بتقاطع بين العوامل التقنية والاقتصادية؟

وللاجابة عن هذه التساؤلات نحتاج قطعا الى الاستئناس بآراء الخبراء والمختصين حتى لا يتحول الامر الى حديث سفسطة على مواقع التواصل الاجتماعي.

اذن يشخص خبراء الطاقة أن ما نعيشه اليوم ليس أزمة ظرفية، بل هو نتاج تراكمات استمرت سنوات تزامنت مع ارتفاع متسارع في الطلب على الكهرباء مقابل بطء الاستثمار في البنية التحتية وإنتاج الطاقة..

ومعلوم ان بلادنا تعتمد بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، إذ تمثل المحطات الغازية حوالي من 90% من إجمالي الإنتاج، بينما ما تزال مساهمة الطاقات المتجددة محدودة مقارنة بالأهداف المعلنة. كما تستورد تونس قسما مهما من حاجياتها من الغاز، وهو ما يجعل المنظومة الكهربائية رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وتوفر الإمدادات..

ورغم أن القدرة المركبة للإنتاج تبدو نظريا كافية، فإن المشكلة الأساسية تتمثل في تقلص “هامش الاحتياط”، أي الفرق بين الطاقة المنتجة والطلب الفعلي، وهو هامش ضروري لمواجهة الأعطال أو الارتفاع المفاجئ في الاستهلاك..

وهنا يطرح سؤال مركزي : لماذا يتواتر انقطاع الكهرباء صيفا ؟

الإجابة تقنية بالأساس إذ يرتفع استهلاك الكهرباء بشكل حاد خلال أشهر الصيف بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، خاصة بين منتصف النهار وبداية المساء.

وعندما يصبح الطلب مساويا تقريبا لقدرة الإنتاج، يبدأ تردد الشبكة الكهربائية في الانخفاض، وهو مؤشر خطير قد يقود إلى انهيار كامل للمنظومة او ما يعرف ب ” بلاك آوت “.

ولمنع هذا السيناريو، تلجأ شركات الكهرباء في العديد من دول العالم، ومن بينها تونس، إلى ما يسمى بتخفيف الأحمال

أي قطع الكهرباء مؤقتا عن مناطق محددة لتقليل الضغط على الشبكة وحمايتها من الانهيار الشامل. وقد أكدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن موجات الحر والارتفاع القياسي في الاستهلاك، إلى جانب بعض العوامل التقنية، كانت وراء الاضطرابات الأخيرة المتواصلة الى حدود كتابة هذه السطور. .

وقد يقول قائل هنا لماذا لا يتم بناء محطة كهرباء جديدة لحل الازمة ؟

والاجابة شائكة هنا أيضا لأن الواقع بالغ التعقيد.

يعتقد كثيرون أن بناء محطة كهرباء جديدة كفيل بحل الأزمة، لكن الواقع أكثر تعقيدا لأن المنظومة الكهربائية تحتوي على عديد الحلقات المترابطة .

وأي ضعف في إحدى هذه الحلقات قد يؤدي إلى انقطاعات حتى لو كانت الطاقة المنتجة كافية.

ففي بعض المناطق مثلا، تصبح المحولات الكهربائية غير قادرة على تحمل الأحمال الجديدة الناتجة عن التوسع العمراني وانتشار أجهزة التكييف، مما يؤدي إلى أعطال متكررة..

هذا بالإضافة الى التحديات المالية التي تعاني منها الشركة التونسية للكهرباء والغاز نتيجة ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء، خاصة مع الاعتماد الكبير على الغاز المستورد، مقابل استمرار بيع الكهرباء بأسعار مدعومة لشرائح واسعة من المستهلكين.

هذا الوضع يحد من قدرة الشركة على تجديد المحطات، وتعزيز الشبكات، وإنجاز مشاريع توسعة بالسرعة المطلوبة..

ومرة أخرى يطرح السؤال هل يعني هذا ان نستسلم للقدر المحتوم أم ان هناك إمكانات للخروج من الأزمة؟

الإجابة على هذا السؤال يقدمها المختصون في شكل مجموعة من المقترحات بمثابة حلول عملية مباشرة.

أولها واهمها :

التوسع السريع في الطاقات المتجددة

بما أن لها تونس إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصة في الجنوب والوسط، بما يسمح بتقليص الاعتماد على الغاز وخفض كلفة الإنتاج على المدى المتوسط.

الاستثمار في تخزين الطاقة

تعد البطاريات الضخمة ومحطات التخزين من أهم الحلول الحديثة، إذ تمكن من تخزين فائض الإنتاج نهارا وضخه خلال ساعات الذروة مساء.

تحديث الشبكة الكهربائية

الانتقال إلى الشبكات الذكية

يسمح بمراقبة الأحمال لحظة بلحظة، والكشف المبكر عن الأعطال، وإدارة الاستهلاك بكفاءة أعلى. وقد شرعت تونس بالفعل في تنفيذ مشاريع للشبكات الذكية والعدادات الذكية في عدد من المناطق.

إدارة الطلب بدل زيادة الإنتاج فقط

في كثير من الدول أصبح التحكم في الاستهلاك جزءا من إنتاج الكهرباء نفسه، وذلك عبر:

• اعتماد تعريفة مختلفة حسب أوقات الذروة.

• تشجيع المباني المقتصدة للطاقة.

• نشر أجهزة التكييف عالية الكفاءة.

• تحفيز المؤسسات الصناعية على تحويل جزء من استهلاكها إلى ساعات الليل.

تنويع مصادر الطاقة

تقليل الاعتماد على الغاز عبر تنويع مزيج الطاقة يمنح المنظومة مرونة أكبر ويحد من المخاطر المرتبطة بأسعار الوقود أو اضطراب الإمدادات.

إذن وبالاعتماد على هذه المعطيات المستقاة من الخبراء يمكن القول إن الازمة الحادة التي نعيشها اليوم في مجال الكهرباء ليست مستعصية على الحل تقنيا

لكنها تحتاج إلى رؤية استثمارية طويلة المدى وإصلاحات هيكلية متوازية تشمل الإنتاج والنقل والتوزيع والحوكمة.

‫شاهد أيضًا‬

رحيل هاني شنودة: الموسيقى العربية تطوي صفحة أحد أبرز المجددين

برحيل الموسيقار المصري هاني شنودة عن عمر ناهز 83 عامًا، تفقد الساحة الفنية العربية واحدًا …