أعلن البنك المركزي التونسي أن تحويلات التونسيين بالخارج هذه السنة وإلى غاية 20 أوت الجاري قد ناهزت 5870 مليون دينار، لتسجل بذلك ارتفاعا فاق 5 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.

وتعكس هذه المؤشرات النسق التصاعدي لتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج، بما يؤكد الدور الذي تضطلع به الجالية التونسية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز موارد البلاد من العملة الأجنبية. لتصبح هذه التحويلات أحد المكونات المهمة للتوازنات الخارجية وموردا يمكن توجيهه بصورة أكبر نحو الادخار والاستثمار وتمويل المشاريع. وكانت وزارة الاقتصاد والتخطيط في تقديرات لها لسنة 2026 قد أشارت إلى إمكانية ارتفاع تحويلات التونسيين بالخارج بأكثر من 6,4 بالمائة، بما يعكس استمرار الرهان على هذا المورد إلى جانب العائدات السياحية والصادرات.

وفي جانب آخر يعكس تطور التحويلات أهمية الجالية التونسية في الخارج، التي تمثل امتدادا اقتصاديا واجتماعيا لتونس، وذلك ليس فقط من خلال الأموال التي تضخّها في الدورة الاقتصادية وإنما كذلك عبر ما تمثله من طاقات وكفاءات وشبكات مهنية واستثمارية يمكن الاستفادة منها في دفع التنمية لتكتسي هذه التحويلات أهمية خاصة في ظل حاجة الاقتصاد الوطني إلى موارد مستدامة من العملة الأجنبية. إذ بالإضافة الى إسهامها في تمويل جزء من الحاجيات الخارجية فإنها تساهم أيضا في تقليص الضغوط المالية على ميزانية الدولة وفي دعم مستوى الاحتياطي من العملة الأجنبية.

ومن هذا المنطلق، تتجه السياسات العمومية إلى عدم الاقتصار على تشجيع تحويل الأموال، وإنما العمل على خلق ظروف أفضل لتحويل جزء أكبر من مدخرات التونسيين بالخارج إلى استثمارات منتجة، بما يساعد على تحويل هذه التدفقات المالية من مورد للاستهلاك العائلي إلى رافعة للتنمية وخلق الثروة ومواطن الشغل. وفي هذا السياق اتجهت الحكومة نحو وضع إجراءات تهدف الى تخفيف كلفة التحويلات وتسهيلها، إلى جانب تطوير التعاون مع البنوك والمؤسسات المالية وتنظيم حملات تحسيسية لفائدة التونسيين بالخارج حول الإمكانيات والحوافز المتاحة لتطوير قيمة التحويلات. كما توجهت الحكومة أيضا نحو العمل على إبرام اتفاقيات مع البنوك والمؤسسات المالية لتسهيل التحويلات المالية.

وفي هذا الإطار تندرج الإجراءات الواردة في قانون المالية لسنة 2026، حيث تم اعتماد تدابير لتيسير الإجراءات الإدارية لفائدة التونسيين غير المقيمين. إذ تم إعفاء الأشخاص الطبيعيين الحاملين للجنسية التونسية وغير المقيمين بالبلاد عند الانتفاع بخدمات معينة من الاستظهار بنسخة من وصل إيداع آخر تصريح مستوجب بعنوان الضريبة على الدخل أو بإيداع التصاريح المستوجبة للسنوات الثلاث السابقة، وهو ما من شأنه التخفيف من بعض الأعباء الإدارية التي كانت تعترض هذه الفئة من التونسيين. هذا الى جانب العمل على تطوير الخدمات الرقمية والمالية الموجهة إلى التونسيين بالخارج، بما في ذلك تسهيل عمليات استلام التحويلات، ما يوفر مزيدا من السرعة والمرونة في التصرف في الأموال المحوّلة.

وفي الاتجاه ذاته تواصل الحكومة عملها على تحسين البيئة المالية المحيطة بالتونسيين بالخارج والمتعاملين بالعملة. ويأتي ذلك بهدف توسيع الأثر الاقتصادي لتحويلاتهم عبر تشجيعهم على توجيه جزء من مدخراتهم نحو الاستثمار في تونس. وتبين المؤشرات الرسمية المتعلقة بالفترة 2026-2028 أن الحكومة تتجه إلى استعادة نسق مشاركة التونسيين بالخارج في الاستثمار، وذلك اعتمادا على تفعيل إجراءات تحفيزية وتطوير آليات الإحاطة والمرافقة، مع التأكيد على ضرورة تبسيط الإجراءات وإزالة العراقيل التنظيمية والمالية وتكثيف الحملات التعريفية بفرص الاستثمار المتاحة، وهو ما من شأنه ان يجعل هذه التحويلات المالية رافعة إضافية للاستثمار والتنمية في بلادنا.

وبالتالي تؤكد الأرقام المسجلة هذه السنة أن تحويلات التونسيين بالخارج تظل أحد الموارد الحيوية للاقتصاد الوطني. وبالتوازي مع مواصلة الجالية دعم عائلاتها واقتصاد بلادها، تواصل الدولة جهودها لإرساء منظومة أكثر تشجيعا وتيسيرا، قوامها تخفيف الإجراءات وتطوير الخدمات المالية وخفض كلفة التحويلات وتحويل جزء منها إلى استثمارات منتجة، وهو ما يمكن أن يعزز مساهمة التونسيين بالخارج في التنمية وفي المحافظة على التوازنات المالية الداخلية والخارجية للبلاد.

‫شاهد أيضًا‬

للمرور‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التخطيط‭ ‬والبرمجة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الإنجاز‭ ‬الفعلي ‭ ‬لجنة‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬تتابع‭ ‬مشاريع‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬والصحة‭ ‬والتّحول‭ ‬الرقمي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬سناء‭ ‬بن‭ ‬سلامة مثّل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بتسريع‭ ‬إنجاز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬ا…