‎لا يختلف إثنان في بلادنا اليوم في أن المخدرات أصبحت مشكلة صحية واجتماعية وأمنية حقيقية جاثمة وتداعياتها السلبية الكارثية داهمة، تهدّد المجتمع والدولة علاوة على كونها تعصف بحياة عدد لا يستهان به من التونسيين، أغلبهم للأسف من الشباب واليافعين وهو ما يحتّم على الجميع، ليس إطلاق صفارات الانذار فقط وإنما مباشرة الحلول الردعية والوقائية في نفس الوقت.

‎إن المعطيات الرسمية الحديثة والمحيّنة تشير للأسف إلى استمرار انتشار قضايا المخدرات التي تعدّ بالآلاف، وتنوع المواد المتداولة فالأمر لم يعد يقتصر  على القنب الهندي / الزطلة، بل ثمّة انواع مختلفة من الكوكايين والهيروين والإكستازي والاقراص المخدرة وغيرها، نجحت المؤسسة الأمنية لحسن الحظ في حجز مئات الكيلوغرامات منها وايقاف آلاف المورطين في جلبها أو ترويجها من التونسيين ومن جنسيات مغاربية وحتى دول أوروبية.

‎في هذا السياق الإيجابي بالذات، فكّك الحرس الوطني مطلع الأسبوع الجاري شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال بولاية سوسة الساحلية السياحية وحجز كميات هامة من الزطلة والكوكايين وسيارتين وأموال متأتية من الترويج، وذلك بفضل عمل أمني واستعلامي استباقي للفرق والإدارات الأمنية المتخصصة في أكثر من ولاية..

‎إن هذه العملية تندرج في إطار الجهد المتواصل للتصدي لظاهرة ترويج المخدرات وتفكيك الشبكات الإجرامية الناشطة في المجال، وهي تؤكد ان جاهزية وتعافي المؤسسة الأمنية حجر الزاوية في حماية المجتمع والدولة من هذه الآفة التي بلغت كما أسلفنا منسوبا خطيرا صادما.

‎أجل، نقول صادما ونحن نستحضر ما كشفه مختص في طب الإدمان والسموميات بوزارة الصحة للإذاعة الوطنية أول أمس من أنّ قرابة ٪5 من المجتمع التونسي يستهلك المخدرات  أكثرهم من فئة الشباب بين 15 و40 سنة وبينهم نساء وفتيات..!

‎بعبارة أخرى أدقّ، هناك حوالي 600 ألف تونسي يستهلكون المخدرات من بين 12 مليون تونسي، جزء منهم يمكن تصنيفه ضمن «الضحايا» المغرر بهم ربما أو المكرهين على السقوط في المستنقع، والجزء الآخر من «المجرمين» سواء في حق أنفسهم أو في حق المجتمع والدولة باعتبارهم يستهلكون عن وعي ويبرّرون فعلتهم الدنيئة بالأسباب الموضوعية التي لا يمكن بأي حال أن يكون الإدمان سبيلا لعلاجها..

‎ونحن هنا لسنا في موضع الاختيار أو المفاضلة أو الترميم أو «الترقيع» أو انتهاج سياسة النعامة كما يقال، نحن بحاجة إلى مصارحة أنفسنا بكل جرأة ومسؤولية بأننا مهددون وبأننا في صراع مع الزمن وبأن حلّا وحيدا أمامنا قوامه الردع والوقاية.

والردع يتحقق وفق المعطيات المتوفرة بشكل جيّد ويجب أن يستمر بشكل تصاعدي يتناسب مع ارتفاع درجة الخطر أولا، وثانيا تحذير وتنبيه وترهيب من تخوّل له نفسه المحاولة أو تكرار المحاولة لاختراق الحصن الأمني..

‎والأكيد أن المؤسسة الأمنية تأخذ بعين الإعتبار البعد الدولي في هذه الحرب على المخدرات، فتونس لا تنتج المخدرات بكل أنواعها وهي بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي في قلب المتوسط وربطها بين ضفتيه، وبين القارتين الأوروبية والإفريقية، هي قاعدة أو محطة أو منصة مغرية للعصابات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود دون أن ننسى حراب الخارج ورغبة «الأعداء» في الدول الصديقة والشقيقة على حد سواء في ضرب استقرار بلادنا وزعزعة كينونة المجتمع وسلامته واستغلال الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي نعيشها.

ولا يمكن تحصين المنجز الأمني الردعي دون عمل توعوي جماعي في العمق بدأنا نلمس بعض مظاهره لكنه ما يزال دون المأمول ومن ذلك عودة الاهتمام بمراكز علاج المدمنين الذي يستحسن ان ترافقه مقاربة اصلاحية في السجون ومراكز الإيقاف خصوصا عندما نعلم أن زهاء 15 الف شخص ملاحقون قضائيا على صلة بالمخدرات.

‎ليس ذلك فحسب، ونحن نتحدث عن انطلاقة المجلس الأعلى للتربية والإصلاح التربوي، يجب أن تتحول هذه المؤسسة الدستورية الى ورشة تفكير وعمل حول أقوم المسالك في مقاومة المخدرات عبر المنظومة التربوية والتكوين المهني والجامعي ومن خلال سياسة إعلامية وسياسة ثقافية وسياسة شبابية ترتقي بالوعي وتردّ الاعتبار للقيم والمبادئ وللحريات وللكرامة المتأصلة في بني البشر..

‎ويجب أن يتقاطع هذا الفعل التوعوي وهذا المنجز الأمني مع انفراج في الوضع الاقتصادي والاجتماعي حتى لا يكون ذلك الشّماعة التي يعلّق عليها «المدمنون» و«المروّجون» سقوطهم في مستنقع الاستهلاك والترويج وحتى لا يكون هذا الوضع أيضا الثقب الذي يتسلل منه أعداء الوطن وهذا ما لم يقبله التونسيون بالأمس، ولن يقبلوه اليوم أو غدا شاء من شاء وأبى من أبى.

‫شاهد أيضًا‬

‭ ‬عين‭ ‬على‭ ‬قيظ‭ ‬الصّيف‭ ‬وأخرى‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬الشّتاء الإستعداد‭ ‬المبكّر‭ ‬لموسم‭ ‬الأمطار‭..

‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬التوقعات‭ ‬الجوية‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬تسجيل‭ ‬خريف‭ ‬ساخن‭ ‬وممطر‭ ‬ببلادنا‭ ‬…