2026-08-30

مسلسل لعبة جهنم: . كيف نحمي أبناءنا من عالم لا يظهر دائماً بوجهه الحقيقي؟

لعبة جهنم هي الحكاية الأولى من مسلسل «القصة الكاملة»، المشروع الدرامي الذي يستلهم قضايا وجرائم حقيقية ويعيد تقديمها في قالب يجمع بين التشويق والجريمة والرعب النفسي. وقد اختارت السلسلة أن تبدأ بأكثر حكاياتها قسوة، مستندة إلى واحدة من الجرائم التي هزّت الرأي العام المصري، والمعروفة إعلامياً بجريمة طفل شبرا الخيمة
وتدور الحكاية حول عالمين يبدوان متباعدين في البداية: مراهق شديد الذكاء، يبدو أمام الآخرين مثالياً، ورجل يظهر بصورة المتدين الهادئ والوقور. لكن الإنترنت يجمع بين الشخصيتين في علاقة لا تبدو خطيرة في بدايتها، قبل أن تكشف الأحداث تدريجياً عن الوجه الآخر لهذه العلاقة.

البداية لم تكن سوى شاشة ورسائل وعلاقة تنمو في فضاء افتراضي يبدو، في ظاهره، بعيداً عن الخطر. لكن ما يبدأ في «لعبة جهنم» كلعبة إلكترونية وتواصل بين أشخاص تجمعهم شبكة الإنترنت، يتحول تدريجياً إلى رحلة في أكثر المناطق ظلمة في النفس البشرية، قبل أن ينتهي إلى جريمة مروعة تتجاوز حدود العالم الافتراضي إلى الواقع.
إنها لعبة تبدأ خلف الشاشة، حيث يسهل إخفاء الهوية الحقيقية، وتتبدل الشخصيات والأقنعة، قبل أن تتحول إلى شر حقيقي يتسلل إلى الحياة اليومية.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الحكاية: فهي لا تقدم الجريمة باعتبارها حادثة مفاجئة تهبط من السماء، بل تلاحق مسارها منذ البذور الأولى. كيف يمكن لفكرة أن تتسلل إلى عقل إنسان؟ وكيف يمكن للعالم الافتراضي أن يتحول من مساحة للتواصل إلى أداة للاستدراج والتخطيط والتحريض؟
وفي لعبة جهنم يقدم الفنان محمد فراج واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للقلق في الحكاية. فالشخصية لا تعتمد على الصورة التقليدية للمجرم ذي الملامح القاسية أو السلوك المثير للريبة، بل على العكس تماماً.
رجل يبدو هادئاً، متديناً، عادياً، وقادراً على كسب ثقة الآخرين.
وهذا بالتحديد ما يجعل الشخصية مرعبة.
ففراج لا يقدم الشر بالصراخ والانفعالات المبالغ فيها، وإنما يتركه يتسلل بهدوء. نظرات محسوبة، صوت منخفض، وملامح لا توحي في البداية بما يمكن أن تخفيه النفس البشرية.
إنه أداء يعتمد على التناقض بين المظهر والحقيقة، بين الصورة الاجتماعية المقبولة والعالم الداخلي المظلم. وربما كانت هذه المفارقة واحدة من أهم عناصر القوة في الشخصية، لأن أخطر المجرمين ليسوا بالضرورة أولئك الذين تبدو خطورتهم واضحة للعيان.
في الجهة المقابلة، يقدم عمر رزيق شخصية المراهق الذكي الذي يصبح جزءاً من هذه اللعبة الخطيرة. وهي شخصية لا يمكن النظر إليها من زاوية واحدة، لأنها تحمل الكثير من التناقضات: الذكاء، والفضول، والهشاشة النفسية، والرغبة في إثبات الذات.
ويبدو حضور الشخصية مهماً في البناء الدرامي لأنها تمثل جيلاً نشأ في قلب العالم الرقمي، جيل قد يمتلك مهارة التعامل مع التكنولوجيا أكثر من الكبار، لكنه ليس بالضرورة أكثر قدرة على فهم المخاطر النفسية والأخلاقية الكامنة خلفها.
اختيار تقديم «لعبة جهنم» في ثلاث حلقات فقط كان من نقاط القوة في العمل. فالحكاية لا تملك رفاهية الاستطراد، بل تتحرك بسرعة محسوبة من التعريف بالشخصيات إلى تصاعد الخطر، ثم إلى الكشف عن أبعاد الجريمة.
هذا التكثيف منح العمل إيقاعاً سريعاً، وجعل كل حلقة تبدو كأنها خطوة جديدة نحو الهاوية.
كما أن الإخراج اعتمد على أجواء نفسية قاتمة، لا على مشاهد العنف المباشر فقط. فالخوف الحقيقي في «لعبة جهنم» لا يأتي دائماً مما نراه، بل مما نتوقع حدوثه.
وربما تكون الرسالة الأكثر إيلاماً التي تتركها «لعبة جهنم» لدى المشاهد مرتبطة بالأطفال.
فالطفل لا يمتلك دائماً القدرة على التمييز بين الاهتمام الحقيقي والاستدراج. وقد يثق بسهولة في شخص يمنحه كلمات جميلة أو اهتماماً خاصاً أو شعوراً بأنه مهم ومحبوب.
لهذا فإن مسؤولية حماية الأطفال لا تعني فقط منعهم من استخدام الإنترنت أو مراقبة هواتفهم، بل بناء علاقة تجعلهم قادرين على الحديث.
أن يعرف الطفل أن بإمكانه أن يخبر والديه بكل شيء.
أن يفهم أن الشخص الذي يطلب منه إخفاء أسرار عن أسرته ليس بالضرورة صديقاً.
أن يدرك أن اللطف الظاهر لا يعني دائماً حسن النية.
وأن يتعلم أن يقول «لا» عندما يشعر بالخوف أو الانزعاج.
فالمشكلة ليست في أن نربي أطفالاً خائفين من العالم، بل في أن نربيهم واعين به.
لعل القيمة الحقيقية للعمل تكمن في أنه لا يترك المشاهد عند حدود الصدمة. فبعد انتهاء الحلقات تبقى الأسئلة.
هل نعرف فعلاً من يتحدث إلى أبنائنا؟
هل نراقبهم أكثر مما نتحاور معهم؟
وهل يكفي أن نثق في المظاهر؟
كيف نحمي أبناءنا من عالم لا يظهر دائماً بوجهه الحقيقي؟

«

‫شاهد أيضًا‬

فيلم الجواهرجي : هل نجحت عودة هنيدي ومنى زكي ؟

منذ الإعلان عن بداية تصوير فيلم الجواهرجي بطولة محمد هنيدي ومنى زكي بدأت الأسئلة تطرح عن م…