تمثل الاجتماعات الدورية للأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة فرصة لتقييم عملها والوقوف على حقيقة الدول ورغبتها والتزامها بتحقيق أهداف ميثاق المنظمة في تحقيق الأمن والسلم الدوليين والتنمية الشاملة وارساء مجتمع دولي تحكمه علاقات دولية متوازنة وعادلة.
وطبيعي هنا أن تتباين الأطروحات والمواقف ويظهر الاختلاف بين دول ترغب بالفعل في تطوير المنظومة الدولية بما يخدم مصلحة جميع البشر، وأخرى لها حساباتها الخاصة، وحتى إن سايرت الخطاب النقدي والاصلاحي العام فإنها تظل متحفظة ولا تلتزم حتى بما يتم الاتفاق والتوافق بشأنه.
وتعدّ تونس، وبقطع النظر عن حجمها الاقتصادي ووزنها الاستراتيجي من بين الدول التي لا تتأخر في الإصداح بما يتوجب قوله وهي تتعامل مع جميع القضايا بالكثير من الإيجابية وضبط النفس والمسؤولية ولديها أيضا رغبة وقدرة على الاقتراح.
نقول هذا الكلام ونحن نتابع هذه الأيام على سبيل المثال عددا من اجتماعات المنظمة الدولية في مقرّها بجنيف، ونستحضر طرح الوفد التونسي المشارك في اجتماع مجلس حقوق الإنسان لمسألة تحويل الأموال المنهوبة إلى استثمارات. وقبل يومين أيضا، تمسكت تونس في اجتماع منظمة التجارة العالمية بنظام تجاري متعدد الأطراف موثوق وقائم على القواعد، يساهم في تحقيق التنمية الشاملة والعادلة.
ليس ذلك فحسب تشارك بلادنا بفاعلية في المفاوضات الجارية بشأن إصلاح منظمة التجارة العالمية دفاعا عن نظام تجاري متعدد الأطراف أكثر عدلا وإنصافا واستجابة للأولويات التنموية للدول النامية.
وتراهن تونس التي تعي جيدا ضعف المشاركة الإفريقية في التجارة العالمية، والتي لا تتجاوز 2.9 بالمائة مقابل تمثيلها 18 بالمائة من سكان العالم، على ضرورة إنعاش دور المنظمة الدولية في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة والاختلالات الهيكلية التي تشهدها منظومة التجارة العالمية الحالية، والتي تحول دون تحقيق التطلعات التنموية للدول النامية.
إن الأولويات التي تدافع عنها تونس في هذا المسار ليست سرّا وليست خاصة بها فقط بل هي مشتركة بين جميع الدول دون استثناء القوية منها والضعيفة، المتقدمة و«المتخلفة»، وعلى رأسها الأمن الغذائي ودعم التصنيع والتحول الرقمي وبناء القدرات دون أن ننسى تفعيل المعاملة الخاصة والتفضيلية ومبدأ الحمائية.
إن الجدل والنقد الأساسي الذي تزداد حدته اليوم في المنظمة الدولية ليس أن التجارة الدولية بحد ذاتها سلبية فهي سلوك بشري قديم، بل ماهو مدى عدالة قواعد التجارة العالمية، وقدرتها على مراعاة احتياجات الدول النامية والبيئة والسياسات الاجتماعية إلى جانب تحرير التجارة التي ظلت على مر الأزمنة خاضعة للدول النافذة.
والحل الأساسي كما تطرحه تونس وكثير من الدول التي تشبهها ليس مستحيلا أو تعجيزيا وهو فوق كل ذلك لا يحتمل التأخير، إنه يتمثل ببساطة في إصلاح قواعد منظمة التجارة العالمية بحيث تجمع بين تحرير التجارة والعدالة الاقتصادية والتنمية المستدامة مع إعطاء الدول النامية مساحة أكبر لتحقيق أهدافها التنموية وهذا ليس منّة أو مفاضلة بقدر ما هو جبر ضرر وتحقيق للمصلحة المشتركة.
اليافطة المناسبة للعودة التكوينية 2026 / 2027 التكوين المهني خيار إستراتيجي في التنمية
على غرار المدارس الابتدائية والإعداديات والمعاهد الثانوية والجامعات التي عاد إليها روّادها…









