2026-04-08

السّكن الاجتماعي.. يستعيد أولويته

تعدّ‭ ‬إستراتيجية‭ ‬السكن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬تُرسيها‭ ‬الدولة‭ ‬تجسيدا‭ ‬عمليا‭ ‬لمفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬يطمح‭ ‬إليها‭ ‬التونسيون‭ ‬وحتى‭ ‬يصبح‭ ‬السكن‭ ‬اللائق‭ ‬حقيقة‭  ‬ملموسة‭  ‬لكل‭ ‬عائلة‭ ‬تونسية‭ ‬أقرّت‭ ‬تونس‭ ‬عديد‭ ‬المشاريع‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬والنموذجية‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬السكن‭ ‬عنوانا‭ ‬للاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وضمانة‭ ‬لمقومات‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭.‬

وتهدف‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السّكن‭ ‬إلى‭ ‬تجسيد‭ ‬الحقّ‭ ‬في‭ ‬السّكن‭ ‬اللائق‭ ‬كأحد‭ ‬الحقوق‭ ‬الدستورية‭ ‬بآليات‭ ‬عمليّة‭ ‬تستجيب‭ ‬لمتطلبات‭ ‬العائلات‭ ‬التونسية‭ ‬محدودة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل‭ ‬وتترجم‭ ‬التزام‭ ‬الدّولة‭ ‬بإرساء‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتعزيز‭ ‬كرامة‭ ‬المواطن‭.‬

ولا‭ ‬يفوّت‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭  ‬ليؤكد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬المكفول‭ ‬دستوريا‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬أعلنت‭ ‬الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬العقارية‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬اسنيتب‭ ‬مؤخرا‭ ‬عن‭  ‬البدء‭ ‬الفعلي‭ ‬لمشروع‭ ‬اتقسيم‭ ‬العقبة‭ ‬2ب‭ ‬بولاية‭ ‬منوبة،‭ ‬وهو‭ ‬أضخم‭ ‬مشروع‭ ‬سكني‭ ‬نموذجي‭ ‬سيقطع‭ ‬مع‭ ‬أنماط‭ ‬البناء‭ ‬التقليدية‭ ‬عبر‭ ‬تبني‭ ‬معايير‭ ‬الاستدامة‭ ‬ومواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المناخية‭ ‬الراهنة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تأتي‭ ‬وسط‭ ‬تحولات‭ ‬كبرى‭ ‬يشهدها‭ ‬قطاع‭ ‬السكن‭ ‬والتهيئة‭ ‬العمرانية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

وشكّل‭ ‬المشروع،‭ ‬الذي‭ ‬يعدّ‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬لمبادرة‭ ‬اجديدب‭ ‬الرامية‭ ‬لتنمية‭ ‬عقارية‭ ‬مستدامة‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للمستوطنات‭ ‬البشرية‭ ‬بتونس،‭ ‬محور‭ ‬ورشة‭ ‬عمل‭ ‬بين‭  ‬اسنيتب‭ ‬ومكتب‭ ‬الامم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬تقديم‭ ‬المخرجات‭ ‬الفنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والبيئية‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬ومناقشتها‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭.‬

ويضم‭ ‬المشروع‭ ‬النموذجي‭ ‬االعقبة‭ ‬2ب‭ ‬حوالي‭ ‬5‭ ‬آلاف‭ ‬وحدة‭ ‬سكنية‭ ‬لفائدة‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬ساكن،‭ ‬ويرتكز‭ ‬على‭ ‬االمرونة‭ ‬البيئيةب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحويل‭ ‬استهلاك‭ ‬المياه‭ ‬داخل‭ ‬التقسيم‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬أساسي‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليه،‭ ‬مع‭ ‬تهيئة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الفيضانات‭ ‬وشح‭ ‬المياه‭.‬

وقد‭ ‬ساهمت‭  ‬التشريعات‭ ‬الجديدة‭ ‬لفائدة‭ ‬شركة‭ ‬االسنيتب‭ ‬واالسبرولسب‭  ‬والتي‭ ‬صادق‭ ‬عليها‭ ‬البرلمان‭ ‬مؤخرا‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الدور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السكن‭ ‬عبر‭ ‬تمكين‭ ‬الفئات‭ ‬محدودة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل‭ ‬من‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬مسكن‭ ‬لائق،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬العقارية‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬وشركة‭ ‬النهوض‭ ‬بالمساكن‭ ‬الاجتماعية‭ ‬برصيد‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الدولية‭ ‬بالدينار‭ ‬الرمزي‭ ‬للتخفيض‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬إنجاز‭ ‬المساكن‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إقرار‭ ‬آليات‭ ‬ميسّرة‭ ‬لاقتناء‭ ‬هذه‭ ‬المساكن‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬البيع‭ ‬بالتقسيط‭ ‬والكراء‭ ‬المملّك،‭ ‬بما‭ ‬يستوجب‭ ‬تكييف‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المنظّم‭ ‬لنشاط‭ ‬الشركتين‭ ‬وتمكينهما‭ ‬من‭ ‬التفويت‭ ‬في‭ ‬المساكن‭ ‬المموّلة‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬النهوض‭ ‬بالمسكن،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تجاوز‭ ‬القيود‭ ‬القانونية‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬اعتماد‭ ‬هذه‭ ‬الصيغ،‭ ‬بما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬الأسعار‭ ‬وتيسير‭ ‬التملّك‭ ‬دون‭ ‬إثقال‭ ‬كاهل‭ ‬المؤسستين‭ ‬العموميتين‭.‬

وتعبّر‭  ‬هذه‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التشريعية‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬صادقة‭ ‬للنهوض‭ ‬بأوضاع‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬اندماجها‭ ‬في‭ ‬المجهود‭ ‬الوطني‭ ‬للبناء‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬استندت‭ ‬وزارة‭ ‬التجهيز‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مخططات‭ ‬السكن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬خلص‭ ‬إليه‭ ‬التعداد‭ ‬العام‭ ‬للسكان‭ ‬لسنة‭ ‬2024‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬بوجود‭ ‬مفارقة‭ ‬رقمية،‭ ‬حيث‭ ‬يقارب‭ ‬الرصيد‭ ‬السكني‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬4.2‭ ‬مليون‭ ‬وحدة‭ ‬سكنية‭ ‬مقابل‭ ‬3.4‭  ‬مليون‭ ‬أسرة،‭ ‬ورغم‭ ‬هذه‭ ‬الوفرة،‭ ‬يواجه‭ ‬القطاع‭ ‬أزمة‭ ‬انفاذب‭  ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬التمركز‭ ‬الديمغرافي‭ ‬بوجود‭ ‬ثلثي‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬الشريط‭ ‬الساحلي‭ (‬10‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬المساحة‭) ‬الذي‭ ‬يتركز‭ ‬فيه‭ ‬80‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭  ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬جرّاء‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬مواد‭ ‬البناء‭ ‬واليد‭ ‬العاملة،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬الدولة‭ ‬للتدخل‭ ‬عبر‭ ‬قوانين‭ ‬المالية‭ ‬لعامي‭ ‬2025‭ ‬و2026‭.‬

وتشمل‭ ‬التدابير‭ ‬الإصلاحية‭ ‬التي‭ ‬أقرّتها‭ ‬الدولة،‭ ‬مراجعة‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬الوطنية‭ ‬للسكن‭ ‬وتقييم‭ ‬أداء‭ ‬القطاع‭ ‬بهدف‭ ‬توفير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬النفاذ‭ ‬للسكن‭ ‬وخاصة‭ ‬للأسر‭ ‬الفقيرة‭ ‬ومحدودة‭ ‬الدخل‭ ‬وتكريس‭ ‬الدور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لقطاع‭ ‬الإسكان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنجاز‭ ‬مساكن‭ ‬اجتماعية‭ ‬بأثمان‭ ‬معقولة‭ ‬موجهة‭ ‬لمختلف‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وخاصة‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭.‬

ويتنزل‭ ‬إحداث‭ ‬المشروع‭ ‬االعقبة2ب‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استعادة‭ ‬الدولة‭ ‬لدورها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬المسكن‭ ‬اللائق‭ ‬بأسعار‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لشرائح‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬من‭ ‬محدودي‭ ‬الدخل‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تونس والأمم المتحدة شراكات وتعاون يتعمّق من سنة إلى أخرى

تتمتع تونس بشراكات إستراتيجية وثيقة مع المنظمات الدولية، حيث تعدّ عضواً فاعلاً في الأمم ال…