2026-04-09

السينمائي الإيراني العالمي “جعفر بناهي” رغم المنع والحرب وإغراءات اللّجوء: “أنــا أقـف مـع بــلادي وعــــدت لأمــــوت فـــيـــهــــا”

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

في‭ ‬زمن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬الأصوات‭ ‬الحادّة‭ ‬التي‭ ‬تختزل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفنان‭ ‬والسلطة‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬المواجهة‭ ‬أو‭ ‬الاصطفاف،‭ ‬يقدّم‭ ‬المخرج‭ ‬الإيراني‭ ‬جعفر‭ ‬بناهي‭ ‬درسًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وعمقًا،‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سينمائيًا‭ ‬داخل‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬مغلق‭ ‬نسبيًا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬خصومه‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬بوق‭ ‬من‭ ‬أبواقه‭. ‬إنّها‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة،‭ ‬يكاد‭ ‬بناهي‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬من‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬تحقيقها‭: ‬نقدٌ‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وإصلاحٌ‭ ‬دون‭ ‬قطيعة،‭ ‬ووفاءٌ‭ ‬لبلدٍ‭ ‬لا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬نظامه

إنّ‭ ‬عودة‭ ‬بناهي‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬رغم‭ ‬التهديد‭ ‬بالسجن،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬سيرة‭ ‬مخرج،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬موقف‭ ‬وجودي‭ ‬يختصر‭ ‬فلسفة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬والوطن‭. ‬حين‭ ‬يصرّح‭ ‬بأنه‭ ‬زيقف‭ ‬مع‭ ‬بلاده‭ ‬وعاد‭ ‬ليموت‭ ‬فيهاس،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬خطابًا‭ ‬عاطفيًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يؤسس‭ ‬لوعي‭ ‬سياسي‭ ‬وجمالي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭ ‬شرطًا‭ ‬للنقد،‭ ‬لا‭ ‬نقيضًا‭ ‬له‭. ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬فرادة‭ ‬تجربته،‭   ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يهاجم‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬ولا‭ ‬يمنح‭ ‬أعماله‭ ‬إمكانية‭ ‬التوظيف‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬معادٍ‭ ‬لبلده،‭ ‬بل‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬مساءلة‭ ‬الواقع‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬داخله،‭ ‬بلغته،‭ ‬وبأدواته‭ ‬السينمائية‭ ‬الخاصة‭.‬

منذ‭ ‬بداياته،‭ ‬اشتغل‭ ‬بناهي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬زسينما‭ ‬الهامشس،‭ ‬حيث‭ ‬الشخصيات‭ ‬العادية،‭ ‬المهمّشة،‭ ‬والمقيّدة‭ ‬بقوانين‭ ‬غير‭ ‬مرئية،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬تعقيدات‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني‭. ‬ففي‭ ‬فيلمه‭ ‬تاكسي‭ ‬طهران،‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬الدب‭ ‬الذهبي‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين،‭ ‬يختار‭ ‬فضاءً‭ ‬بسيطًا‭: ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬تجوب‭ ‬شوارع‭ ‬طهران‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الضيّق‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬اجتماعي،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الأصوات‭ ‬والآراء‭ ‬والتناقضات،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬دقيقة‭ ‬لمجتمع‭ ‬يتحاور‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬الرقابة‭. ‬الكاميرا‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬أداة‭ ‬رصد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬فعل‭ ‬مقاومة‭ ‬هادئ،‭ ‬يلتقط‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُقال،‭ ‬ويمنح‭ ‬الكلام‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬صوت‭ ‬لهم‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬فيلمه‭ ‬الأخير‭ “‬حادث‭ ‬بسيط‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬صُوّر‭ ‬سرًا‭ ‬داخل‭ ‬إيران،‭ ‬فتتواصل‭ ‬هذه‭ ‬الروح،‭ ‬حيث‭ ‬يتحوّل‭ ‬الحدث‭ ‬البسيط‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬لقراءة‭ ‬بنية‭ ‬السلطة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتشابكة‭. ‬إنّها‭ ‬سينما‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإيحاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التصريح،‭ ‬وعلى‭ ‬بناء‭ ‬المعنى‭ ‬عبر‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬الشعارات‭ ‬المباشرة‭. ‬ولهذا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تبدو‭ ‬أعمال‭ “‬بناهي‭” ‬عصيّة‭ ‬على‭ ‬التوظيف‭ ‬السياسي‭ ‬الساذج‭: ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقدّم‭ ‬مادة‭ ‬جاهزة‭ ‬للإدانة‭ ‬أو‭ ‬التمجيد،‭ ‬بل‭ ‬تفتح‭ ‬أفقًا‭ ‬للتفكير

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬تجربة‭ ‬بناهي‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الأوسع‭ ‬للسينما‭ ‬الإيرانية،‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المختبرات‭ ‬الجمالية‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭. ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬امتدادًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬لروّاد‭ ‬كبار‭ ‬مثل‭ ‬عباس‭ ‬كيارستمي‭ ‬ومحسن‭ ‬مخملباف،‭ ‬اللذين‭ ‬أسّسا‭ ‬لسينما‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬البساطة‭ ‬الشكلية‭ ‬والعمق‭ ‬الفلسفي‭. ‬من‭ ‬كيارستمي‭ ‬ورث‭ “‬بناهي‭” ‬تلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬اليومي‭ ‬إلى‭ ‬كوني،‭ ‬وعلى‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والخيال،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭ ‬وكأنها‭ ‬فيلم‭ ‬مفتوح‭. ‬ومن‭ ‬مخملباف‭ ‬استلهم‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬والجرأة‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬البنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المباشرة

غير‭ ‬أنّ‭ ‬بناهي‭ ‬يذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬أسلافه‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬القيود‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬جمالية‭. ‬فبعد‭ ‬منعه‭ ‬من‭ ‬السفر‭ ‬والتصوير،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬صناعة‭ ‬الأفلام،‭ ‬بل‭ ‬أعاد‭ ‬ابتكار‭ ‬أدواته،‭ ‬مصورًا‭ ‬داخل‭ ‬بيته،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬مغلقة،‭ ‬أو‭ ‬بكاميرات‭ ‬بسيطة‭. ‬هكذا‭ ‬تحوّلت‭ ‬الرقابة‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬داخل‭ ‬النص‭ ‬السينمائي‭ ‬ذاته،‭ ‬وأصبح‭ ‬المنع‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬اللغة،‭ ‬لا‭ ‬عائقًا‭ ‬أمامها‭. ‬إنّها‭ ‬سينما‭ ‬تُصنع‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تفقد‭ ‬صفاءها،‭ ‬بل‭ ‬تزداد‭ ‬كثافة‭ ‬وإيحاء

لهذه‭ ‬الأسباب‭ ‬كلّها،‭ ‬تكتسب‭ ‬مواقفه‭ ‬السياسية‭ ‬معناها‭ ‬الحقيقي‭. ‬فبناهي،‭ ‬رغم‭ ‬أحكام‭ ‬السجن‭ ‬والمنع،‭ ‬لم‭ ‬يختر‭ ‬المنفى،‭ ‬ولم‭ ‬يسع‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬صورة‭ ‬زالمخرج‭ ‬الضحيةس‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬ظلّ‭ ‬وفيًا‭ ‬لفكرة‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬هذا‭ ‬الخيار،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬للبعض‭ ‬مخاطرة،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬جوهر‭ ‬مشروعه‭ ‬الفني‭: ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬السينما‭ ‬فعل‭ ‬حضور،‭ ‬لا‭ ‬هروب؛‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬النقد‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬الانتماء،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬القطيعة‭.‬

إنّ‭ ‬التمييز‭ ‬الذي‭ ‬يحرص‭ ‬عليه‭ ‬بناهي‭ ‬بين‭ ‬الأمة‭ ‬الإيرانية‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استراتيجية‭ ‬جمالية‭ ‬أيضًا‭. ‬فهو‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬اختزال‭ ‬بلدٍ‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬قراءات‭ ‬اختزالية،‭ ‬قد‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتبرير‭ ‬مواقف‭ ‬خارجية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفن‭. ‬لذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬أفلامه‭ ‬وكأنها‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬تعقيد‭ ‬إيران،‭ ‬عن‭ ‬تعدد‭ ‬أصواتها،‭ ‬وعن‭ ‬إنسانيتها‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬كلّ‭ ‬تصنيف‭.‬

ولهذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬جميعها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬تجربة‭ ‬جعفر‭ ‬بناهي‭ ‬إلا‭ ‬بوصفها‭ ‬درسًا‭ ‬مزدوجًا‭: ‬درسًا‭ ‬في‭ ‬السينما،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬أبسط‭ ‬الأدوات‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬عميقة،‭ ‬ودرسًا‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الانتماء‭ ‬شرطًا‭ ‬للنقد،‭ ‬لا‭ ‬عائقًا‭ ‬أمامه‭. ‬إنّه‭ ‬نموذج‭ ‬لفنان‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬سياسي‭ ‬جاهز،‭ ‬ويصرّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبقى،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬زمنه،‭ ‬وصوتًا‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬بلده،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬خارجه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ندوة علمية في «قمرت» بمناسبة مأوية السينمائي الرّاحل يوسف شاهين»: مــائويــة مــخــرج أزعـــج الــصــمــت وراهـــن عــلــى الــحريـــة

في‭ ‬سياق‭ ‬ثقافي‭ ‬يتّسم‭ ‬بتسارع‭ ‬التحوّلات‭ ‬وتبدّل‭ ‬المرجعيات،‭ ‬تحتضن‭ ‬المدرسة‭ ‬ا…