بعيدا عن المزايدات، وبعيدا عن تكرار تلك القوالب والمقولات الجاهزة التي أكل عليها الدهر وشرب كما يقال، خصوصا وقد فشلت منظومات الحكم المتعاقبة في البرهنة على أنها استوعبت الكنه وقامت بالواجب وردّت الاعتبار لقطاع حيوي يمثّل الحلّ الأنسب لواقع الحال بكل تعقيداته وأزماته وتحدياته، فإنّ الفلاحة ولا شيء غير الفلاحة يمكن أن تمثّل المنفذ للأمن الإنساني وتحقيق السيادة الغذائية.
الأمر لا يتطلب التذكير في كل مرة بأن الفلاحة تلعب دورًا أساسيّا في الاقتصاد والمجتمع وبأنها تساهم بنسبة مهمة في الناتج الداخلي الخام خاصة من خلال إنتاج زيت الزيتون والتمور والحبوب إلى جانب تشغيل نسبة كبيرة من اليد العاملة وهو ما يساعد على الحدّ من البطالة والهجرة نحو المدن الكبرى والساحلية.
ورغم مواسم الجفاف التي تواترت خلال السنوات الماضية ورغم الخيارات السياسية السابقة الفاشلة التي أغرقت الفلاحة في الأزمة الدائمة، فإن هذه الفلاحة ما انفكت تساهم في توفير العديد من المواد الغذائية الأساسية، والحدّ بين الفينة والأخرى من الاعتماد على التوريد من الخارج، مقابل دعم صادرات بعينها وأساسا زيت الزيتون والتمور كما أسلفنا.
وبفضل الفلاحة التي تساعد في الحفاظ على التوازن البيئي في ربوع البلاد، فإن «صوت» المناطق الداخلية إن جاز القول، يرتفع بفضل الفلاحة والفلاحين الذين لولاهم لما توفّر الطعام لكلّ فم وارتبطت الحياة بالخارج وما يمثله هذا الخيار من نزيف في المال والسيادة على حدّ سواء.
إن تونس اليوم تسعى إلى تحقيق الأمن الغذائي، بما يعنيه من توفير للغذاء الكافي والآمن لكلّ التونسيين في كلّ الأوقات وبأسعار معقولة، كما تسعى في نفس الوقت إلى تحقيق السيادة الغذائية التي تعني ببساطة حق الدولة والشعب في التحكم في نظامنا الغذائي، إنتاجا واستهلاكا، دون الاعتماد المفرط على الخارج فالهيمنة والاستعمار غير المباشر الذي قد يتحول الى استعمار مباشر يتسرّب من الأمعاء الخاوية.
إننا في سياق الحديث عن الأمن الغذائي والسيادة الغذائية في تونس لا نرنو الى التخويف أو التهويل، صحيح أن الوضع صعب وأن السياسات العمومية في هذا الباب بحاجة إلى التثوير، لكن هذا لا يمنع من الإقرار بوجود مؤشرات إيجابية تظهر إمكانيات كبيرة للتحسّن والتطوّر.
ويكفي في هذا الاطار الإشارة إلى تنوّع الإنتاج الفلاحي بفضل تنوّع المناخ الذي يسمح بإنتاج الحبوب بأنواعها، وزيت الزيتون، والتمور، والخضر، والغلال، مع التأكيد على أهمية الطابع البيولوجي لفلاحتنا.
ولا بد أيضا من إنصاف الفلاح التونسي الذي راكم الخبرة المناسبة للتكيّف مع الظروف الصعبة والتأقلم مع تطوّر التقنيات الفلاحية العصرية وتقديم التضحيات الجسام وهو ما يضاعف مسؤولية الدولة في دعم هذا القطاع واستنباط برامج وحلول جذرية تقطع مع الإرتجال والترميم وتتجه أكثر نحو «الثورة الفلاحية» التي تحقق الأمن الغذائي وتكرّس السيادة الغذائية.
ان الإرادة السياسية متوفرة اليوم، وحديث أعلى هرم السلطة عن الفلاحة واضح وجليّ، وترجمة الاقوال الى أفعال ممكنة خصوصا ونحن على أبواب مواسم فلاحية استثنائية بفضل الغيث وكميات الأمطار المهمة التي تساقطت على كامل ربوع الوطن تقريبا وهو ما أنقذ البلاد التي كانت على أبواب شح مائي وفتح باب الأمل وشرّع الحديث من جديد عن الفلاحة وتكرار الوصفة الوحيدة المناسبة لتونس دائما والتي مفادها أن «الفلاحة هي الحل».
أمريكا وإيران تلتقيان في باكستان والكيان يواصل العدوان الهدنة الممكنة.. السّلام الصّعب..!
انطلقت في باكستان أمس السبت 11 أفريل 2026 امحادثات سلامب بين الولاي…








