2026-05-23

بعد‭ ‬ترامب‭.. ‬بوتين‭ ‬في‭ ‬ضيافة‭ ‬بكين: الصين‭ ‬تُحكم‭ ‬لعبة‭ ‬خلط‭ ‬الأوْراق‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي

‭ ‬بعد‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬رئيس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أدّى‭ ‬رئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬بدوره‭ ‬زيارة‭ ‬رسمية‭ ‬إلى‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬يومي‭ ‬19‭ ‬و20‭ ‬ماي‭  ‬الجاري‭ ‬بدعوة‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ،‭ ‬والهدف‭ ‬المعلن‭ ‬تعزيز‭ ‬الشراكة‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬موسكو‭ ‬وبكين‭. ‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬برنامج‭ ‬الزيارة‭ ‬زاخرا‭ ‬بالأنشطة‭ ‬والفعاليات‭ ‬البروتوكولية‭ ‬التي‭ ‬يشبه‭ ‬بعضها‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬ساكن‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬فيما‭ ‬اختلفت‭ ‬المحاور‭ ‬وبان‭ ‬بالكاشف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬النافذة‭ ‬جدّ‭ ‬معقّد‭ ‬تحكمه‭ ‬بعض‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬الخاصة‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬أن‭ ‬زيارة‭ ‬بوتين‭ ‬عززت‭ ‬فكرة‭ ‬االمحور‭ ‬الروسي‭ ‬ـ‭ ‬الصينيب،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أظهرت‭ ‬زيارة‭ ‬ترامب‭ ‬استمرار‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ـ‭ ‬الصيني‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬قنوات‭ ‬التفاهم‭ ‬مفتوحة،‭ ‬والأهم‭ ‬في‭ ‬المحصّلة‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬اقتصادياً‭ ‬ومن‭ ‬روسيا‭ ‬إستراتيجياً‭ ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬صينية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬وتجنّب‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬طرف‭.‬

وعندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الأبعاد‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬بكين‭ ‬وموسكو‭ ‬فإننا‭ ‬نتحدث‭ ‬بالقوة‭ ‬عن‭ ‬التعاون‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬وعن‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬وكذلك‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التوترات‭ ‬العالمية‭ ‬الحالية‭ ‬وعن‭ ‬ارهاصات‭ ‬ولادة‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬يقطع‭ ‬مع‭ ‬هيمنة‭ ‬القطب‭ ‬الواحد‭ ‬حيث‭ ‬ليس‭ ‬خافيا‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭  ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مستساغة‭ ‬وثمّة‭ ‬وعي‭ ‬وسعي‭ ‬دولي‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذا‭  ‬االخللب‭ ‬وفق‭ ‬تعبيرات‭ ‬مختلفة‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬الذكر‭ ‬بروز‭ ‬تجربة‭ ‬مجموعة‭ ‬البريكس‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬قوى‭ ‬صاعدة‭.‬

بمنطق‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والمعادلات‭ ‬الجيواستراتيجية‭ ‬وبمقاييس‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬والمخرجات‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬ظهرت‭ ‬الصين‭ ‬بعد‭ ‬زيارة‭ ‬رئيسي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والاتحاد‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬القوة‭ ‬العظمى‭ ‬التي‭ ‬يقرأ‭ ‬لها‭ ‬الجميع‭ ‬ألف‭ ‬حساب‭.‬

ويكفي‭ ‬هنا‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬انبهار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬منضبطا‭ ‬الى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود‭ ‬ولم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمر‭ ‬التي‭ ‬اعتاد‭ ‬التعدي‭ ‬عليها‭ ‬أمام‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬يقابلهم‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬العالم‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الابيض‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬التهكم‭ ‬والسخرية‭ ‬والتهجم‭ ‬والتهديد‭ ‬والوعيد‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬شي‭.‬

ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب‭ ‬لم‭ ‬يتردّد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬زيارته‭ ‬كانت‭ ‬الحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬بالفعلب‭ ‬وأنها‭ ‬عرفت‭ ‬انجاحًا‭ ‬رائعًاب،‭ ‬وأنها‭ ‬شهدت‭ ‬توقيع‭ ‬ااتفاقيات‭ ‬جيدة‭ ‬جدًاب‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التجاري‭ ‬وبحثا‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية‭ ‬والقضايا‭ ‬الدولية‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬إيران،‭ ‬وخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين‭ ‬تظل‭ ‬اجيدةب‭..!‬

أما‭ ‬بوتين‭ ‬فقد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭ ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬زيارته‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الرقم‭ ‬25‭ ‬الى‭ ‬العملاق‭ ‬الآسيوي‭ ‬تبرهن‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬ـ‭ ‬الصينية‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬امستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوقب‭.‬

وبالفعل،‭ ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬السياسي‭ ‬بين‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬وشي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الغربية‭ ‬عموما‭ ‬والأمريكية‭ ‬خاصة،‭ ‬صلب‭ ‬وهناك‭ ‬توافق‭ ‬يتعزّز‭ ‬باطراد،‭ ‬وقد‭ ‬وقعت‭ ‬ترجمته‭ ‬بتوقيع‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬وابرام‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬التعاون‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والطاقة‭ ‬والتعليم‭ ‬والتنسيق‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أظهر‭ ‬بجلاء‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬الروسية‭ ‬ـ‭ ‬الصينية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قوية‭ ‬رغم‭ ‬العقوبات‭ ‬والحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وأن‭ ‬بكين‭ ‬لم‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬موسكو‭ ‬رغم‭ ‬الضغوط‭ ‬والمتغيرات‭ ‬والإغراءات‭ ‬والاكراهات‭.‬

هو‭ ‬استعراض‭ ‬للقوة‭ ‬وفق‭ ‬بعض‭ ‬القراءات،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬إتقان‭ ‬وإحكام‭ ‬للعبة‭ ‬خلط‭ ‬الأوراق‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬مريح،‭ ‬فزيارة‭ ‬ترامب‭ ‬وزيارة‭ ‬بوتين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬رسالة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬توازنها‭ ‬أولا،‭ ‬وتأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الإعتبار‭ ‬تطور‭ ‬التوازنات‭ ‬العالمية‭ ‬وتريد‭ ‬نظاماً‭ ‬دولياً‭ ‬أقل‭ ‬هيمنة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأكثر‭ ‬تعددية،‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تريد‭ ‬انتقال‭ ‬العالم‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية‭ ‬تقوده‭ ‬أمريكا‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬فيه‭ ‬أمريكا‭ ‬والصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وقوى‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى‭ ‬لها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬وجودها‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوقها‭ ‬وحقوق‭ ‬شعوبها‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

له مكانة خاصة في وجدان التونسيين.. جيشنا جمهوري، محايد وملتزم

تواتر الحديث في الأيام القليلة الماضية عن الجيش وعن دور المؤسسة العسكرية في بلادنا، وهو أم…