بعد ترامب.. بوتين في ضيافة بكين: الصين تُحكم لعبة خلط الأوْراق في المشهد الدولي
بعد أربعة أيام فقط من زيارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أدّى رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين بدوره زيارة رسمية إلى جمهورية الصين الشعبية يومي 19 و20 ماي الجاري بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، والهدف المعلن تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين موسكو وبكين.
وقد كان برنامج الزيارة زاخرا بالأنشطة والفعاليات البروتوكولية التي يشبه بعضها ما حصل مع ساكن البيت الأبيض، فيما اختلفت المحاور وبان بالكاشف أن ما يجمع هذه القوى الدولية النافذة جدّ معقّد تحكمه بعض المصالح المشتركة وكثير من المصالح الخاصة.
ويمكن القول في هذا الإطار أن زيارة بوتين عززت فكرة االمحور الروسي ـ الصينيب، وفي المقابل، أظهرت زيارة ترامب استمرار التنافس الأمريكي ـ الصيني مع بقاء قنوات التفاهم مفتوحة، والأهم في المحصّلة أن بكين نجحت في الاستفادة من أمريكا اقتصادياً ومن روسيا إستراتيجياً وهذا جزء من سياسة صينية تقوم على التوازن وتجنّب الدخول في مواجهة مباشرة شاملة مع أي طرف.
وعندما نتحدث عن الأبعاد الإستراتيجية في العلاقة بين بكين وموسكو فإننا نتحدث بالقوة عن التعاون السياسي والاقتصادي وعن الطاقة والتجارة بين البلدين وكذلك عن قضايا دولية وإقليمية في ظل التوترات العالمية الحالية وعن ارهاصات ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يقطع مع هيمنة القطب الواحد حيث ليس خافيا على أحد أن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المشهد الدولي منذ مطلع تسعينات القرن الماضي لم تعد مستساغة وثمّة وعي وسعي دولي لتجاوز هذا االخللب وفق تعبيرات مختلفة منها على سبيل الذكر بروز تجربة مجموعة البريكس التي تضم قوى صاعدة.
بمنطق العلاقات الدولية والمعادلات الجيواستراتيجية وبمقاييس الربح والخسارة والمخرجات كما يقال، ظهرت الصين بعد زيارة رئيسي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي في صورة القوة العظمى التي يقرأ لها الجميع ألف حساب.
ويكفي هنا التوقف عند انبهار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي بدا منضبطا الى أبعد الحدود ولم يتجاوز الخطوط الحمر التي اعتاد التعدي عليها أمام جميع من يقابلهم من قادة العالم سواء في البيت الابيض أو حتى في بلدانهم وهو لا يتردد في التهكم والسخرية والتهجم والتهديد والوعيد وهو ما لم يجرؤ عليه في بكين في حضرة شي.
ليس ذلك فحسب لم يتردّد ترامب في القول أن زيارته كانت الحظة تاريخية بالفعلب وأنها عرفت انجاحًا رائعًاب، وأنها شهدت توقيع ااتفاقيات جيدة جدًاب خصوصًا في المجال التجاري وبحثا عميقا في التوترات السياسية والقضايا الدولية وخصوصا في ملف إيران، وخلص إلى أن العلاقات بين واشنطن وبكين تظل اجيدةب..!
أما بوتين فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير واعتبر أن زيارته التي تحمل الرقم 25 الى العملاق الآسيوي تبرهن أن العلاقات الروسية ـ الصينية وصلت إلى امستوى غير مسبوقب.
وبالفعل، فقد أكدت هذه الزيارة أن التحالف السياسي بين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ في مواجهة الضغوط الغربية عموما والأمريكية خاصة، صلب وهناك توافق يتعزّز باطراد، وقد وقعت ترجمته بتوقيع جملة من البيانات وابرام عدد من اتفاقيات التعاون الجديدة في الاقتصاد والطاقة والتعليم والتنسيق الإستراتيجي الأمر الذي أظهر بجلاء أن العلاقة الروسية ـ الصينية ما زالت قوية رغم العقوبات والحرب في أوكرانيا وأن بكين لم تبتعد عن موسكو رغم الضغوط والمتغيرات والإغراءات والاكراهات.
هو استعراض للقوة وفق بعض القراءات، وهو في تقديرنا إتقان وإحكام للعبة خلط الأوراق في المشهد الدولي من موقع مريح، فزيارة ترامب وزيارة بوتين على حد سواء، رسالة جيوسياسية مفادها أن الصين تحافظ على توازنها أولا، وتأخذ بعين الإعتبار تطور التوازنات العالمية وتريد نظاماً دولياً أقل هيمنة من الولايات المتحدة وأكثر تعددية، بعبارة أخرى، تريد انتقال العالم تدريجياً من نظام أحادي القطبية تقوده أمريكا إلى نظام متعدد الأقطاب فيه أمريكا والصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى لها الحق في التعبير عن وجودها والدفاع عن حقوقها وحقوق شعوبها.
له مكانة خاصة في وجدان التونسيين.. جيشنا جمهوري، محايد وملتزم
تواتر الحديث في الأيام القليلة الماضية عن الجيش وعن دور المؤسسة العسكرية في بلادنا، وهو أم…



