2026-04-21

حين تتحرك تونس جنوباً : إفريقيا تفتح أبوابها وسيدات الأعمال يرسمن الطريق

من 1 إلى 3 جويلية 2026، لن تكون تونس مجرد بلد مضيّف، بل ستكون نقطة تقاطع لواحد من أكثر الأسئلة إلحاحاً في حاضرها الاقتصادي: كيف يمكن الخروج من ضيق الأسواق التقليدية نحو اتساع القارة الإفريقية؟ ذلك ما تحمله الدورة السابعة للمعرض التجاري الإقليمي ومؤتمر الأعمال لجامعة الكوميسا، التي تستعد البلاد لاحتضانها بمشاركة أكثر من 300 مؤسسة تقودها نساء، وحضور يتجاوز 6000 مشارك من 21 دولة إفريقية، حضورياً وافتراضياً.

وقبل هذا الموعد، سيكون يوم 21 أفريل 2026 محطة تمهيدية مهمة، من خلال اليوم الإعلامي المنتظر بمقر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، حيث سيتم الكشف عن البرنامج الرسمي، وإطلاق منصة رقمية إفريقية لتسجيل المشاركات وتنظيم اللقاءات الثنائية (B2B). أما يوما 28 و29 جوان 2026، فسيشهدان انعقاد اللقاء المؤسساتي لوزراء التجارة لدول الكوميسا، وهو ما يضع الحدث في سياق أوسع من مجرد معرض، ليصبح جزءاً من مسار تكامل اقتصادي إقليمي.

هذه التواريخ ليست مجرد تفاصيل تنظيمية، بل تعكس ديناميكية تُبنى على مراحل: من الإعداد، إلى التشبيك، إلى التفعيل. وهي، في جوهرها، محاولة لإعادة توجيه البوصلة الاقتصادية لتونس نحو عمقها الإفريقي، في لحظة بدأت فيها القارة تفرض نفسها كأفق لا يمكن تجاهله.

لقد ظلّ الخطاب طويلاً يتحدث عن إفريقيا كفرصة، لكن الواقع كان متردداً. اليوم، يبدو أن هذا التردد بدأ يتراجع، ليس بدافع القناعة فقط، بل أيضاً بدافع الحاجة. فالعالم يتغير، والأسواق التقليدية لم تعد قادرة وحدها على استيعاب الطموحات، فيما تفتح القارة الإفريقية، عبر تكتلات مثل الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية، إمكانيات جديدة للتبادل والنمو.

غير أن ما يمنح هذا الحدث خصوصيته ليس فقط بعده الجغرافي، بل أيضاً طابعه النسائي. أكثر من 300 مؤسسة تقودها نساء يعني أن المشهد الاقتصادي الإفريقي يشهد تحوّلاً حقيقياً. لم تعد المرأة مجرد عنصر مُساند، بل أصبحت فاعلاً رئيسياً، يقود مشاريع، ويبني شبكات، ويبحث عن أسواق.

في هذا التحول، تتغير طبيعة الاقتصاد نفسه. إذ تميل المبادرات النسائية إلى الاستثمار في القطاعات القريبة من المجتمع، مثل الصناعات الغذائية، الحرف، والخدمات، مع اهتمام أكبر بالاستدامة. وهذا ما يجعل حضور سيدات الأعمال في مثل هذه التظاهرات ليس فقط تمثيلاً، بل إضافة نوعية.

تونس، وهي تحتضن هذا اللقاء، تضع نفسها في قلب هذا التحول. فهي لا تستقبل فقط عارضات ومشاركات، بل تستقبل شبكات من العلاقات، وإمكانيات لشراكات قد تتجاوز حدود المعرض. لكن هذا الدور يظل رهين القدرة على تحويل اللقاء إلى نتائج.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية:

هل ستتحول اللقاءات الثنائية إلى اتفاقيات؟ وهل ستُترجم هذه الاتفاقيات إلى مشاريع واستثمارات؟ أم أن الأمر سيتوقف عند حدود الصور والبيانات؟

التجارب السابقة تُظهر أن المشكلة ليست في تنظيم التظاهرات، بل في ما بعدها. فالتعاون جنوب-جنوب، رغم أهميته، ما يزال يعاني من عوائق حقيقية: ضعف الربط اللوجستي، اختلاف الأنظمة القانونية، وصعوبات التمويل. وهذه التحديات لا تُحلّ في معرض، بل تحتاج إلى سياسات مرافقة.

مع ذلك، فإن البديل ليس أفضل. الاعتماد على مسارات تقليدية أثبت محدوديته، ما يجعل الانفتاح على إفريقيا خياراً استراتيجياً. ليس لأن القارة سهلة، بل لأنها قريبة في التحديات، ومتشابهة في الاحتياجات، وقادرة على خلق تكامل إذا ما توفرت الإرادة.

في هذا السياق، يصبح دور الدولة حاسماً، ليس فقط في التنظيم، بل في المتابعة. الدبلوماسية الاقتصادية مطالبة بأن تتحول من إطار بروتوكولي إلى أداة فعلية لفتح الأسواق، ومرافقة المؤسسات، خاصة الصغرى والمتوسطة، في دخول هذه الفضاءات.

كما أن القطاع الخاص، وخاصة سيدات الأعمال، مدعوّ للعب دور أكبر في هذه المرحلة. فالتعاون لا يُبنى فقط بين الحكومات، بل أيضاً بين الفاعلين الاقتصاديين الذين يملكون القدرة على المبادرة والمخاطرة.

في النهاية، ما يجري بين أفريل وجوان وجويلية 2026 ليس مجرد سلسلة من المواعيد، بل اختبار لمدى قدرة تونس على التحرك خارج مناطق راحتها التقليدية. إفريقيا ليست وعداً جاهزاً، بل فضاء يحتاج إلى جهد، وصبر، وفهم.

لكنها، في المقابل، فرصة حقيقية.

فرصة لأن تعيد تونس تعريف موقعها، لا كطرف هامشي، بل كجسر بين شمال القارة وجنوبها. وفرصة لأن تتحول المرأة، التي تقود هذا الحدث، من رمز إلى قوة اقتصادية فاعلة.

وما بين هذه التواريخ، يُكتب شيء أكبر من معرض: يُكتب اتجاه.

‫شاهد أيضًا‬

ُُبين تونس وإسبانيا شراكات تبنى على الإحترام

في زمنٍ اختلطت فيه المصالح بالمواقف، ولم يعد واضحاً أين ينتهي الاقتصاد وأين تبدأ السياسة، …