2026-04-26

فيلم” الروندة 13″ في القاعات التونسية والفرنسية: حين تتحول السينما إلى مرآة للألم والأمل

انطلق‭ ‬الفيلم‭ ‬الروائي‭ ‬الطويل‭ ‬الروندة‭ ‬13‭ ‬للمخرج‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬النهدي‭ ‬في‭ ‬عروض‭ ‬بقاعات‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وفرنسا،‭ ‬بعد‭ ‬مسار‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المهرجانات‭ ‬الدولية‭ ‬تُوّج‭ ‬خلاله‭ ‬بعدة‭ ‬جوائز‭ ‬ابرزها‭ ‬فوز‭ ‬الممثلة‭ ‬التونسية‭ ‬عفاف‭ ‬بن‭ ‬محمود‭ ‬بجائزة‭ ‬أفضل‭ ‬ممثلة‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الفيلم،‭ ‬خلال‭ ‬حفل‭ ‬اختتام‭ ‬الدورة‭ ‬الـ46‭ ‬لمهرجان‭ ‬القاهرة‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي‭. ‬

هذا‭ ‬العمل‭ ‬السينمائي‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬مالك‭ ‬كشباطي،‭ ‬وإخراج‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬النهدي،‭ ‬ويجمع‭ ‬في‭ ‬بطولته‭ ‬كلًا‭ ‬من‭ ‬عفاف‭ ‬بن‭ ‬محمود‭ ‬وحلمي‭ ‬الدريدي،‭ ‬مع‭ ‬مشاركة‭ ‬خاصة‭ ‬للفنان‭ ‬القدير‭ ‬الأمين‭ ‬النهدي‭.‬

وبدأ‭ ‬عرض‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬أفريل،‭  ‬،‭ ‬فيما‭ ‬انطلق‭ ‬عرضه‭ ‬في‭ ‬القاعات‭ ‬الفرنسية‭ ‬يوم‭ ‬29‭ ‬أفريل،‭ ‬بعد‭ ‬تقديمه‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬يوم‭ ‬7‭ ‬أفريل‭. ‬هذا‭ ‬التوزيع‭ ‬الثنائي‭ ‬يعكس‭ ‬طموح‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬أوسع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتزايد‭ ‬بالسينما‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬يضع‭ ‬الجمهور‭ ‬أمام‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬مكثفة‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬العميق،‭ ‬وتطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬وجودية‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التونسي‭.‬

يروي‭ “‬الروندة‭ ‬13‭” ‬قصة‭ ‬كمال،‭ ‬بطل‭ ‬ملاكمة‭ ‬إفريقي‭ ‬سابق،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬فجأة‭ ‬أمام‭ ‬معركة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬حين‭ ‬يصاب‭ ‬ابنه‭ ‬بمرض‭ ‬خطير‭ ‬يهدد‭ ‬حياته‭. ‬من‭ ‬حلبة‭ ‬الملاكمة،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬المواجهة‭ ‬جسدية‭ ‬ومباشرة،‭ ‬ينتقل‭ ‬كمال‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬داخلي‭ ‬مع‭ ‬الألم‭ ‬والخوف‭ ‬والعجز‭.‬

في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬تقف‭ ‬زوجته‭ ‬سامية‭ ‬إلى‭ ‬جانبه،‭ ‬لتتحول‭ ‬الحكاية‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬أب‭ ‬وأم‭ ‬يواجهان‭ ‬مصيراً‭ ‬مجهولاً‭. ‬فيلم‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بسرد‭ ‬مأساة‭ ‬عائلية،‭ ‬بل‭ ‬يغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬كاشفاً‭ ‬هشاشتها‭ ‬وقوتها‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته،‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الانكسار‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الصمود‭.‬

أداء‭ ‬تمثيلي‭ ‬يلامس‭ ‬الصدق

ويعتمد‭ ‬الفيلم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الأداء‭ ‬التمثيلي،‭ ‬حيث‭ ‬تبرز‭ ‬عفاف‭ ‬بن‭ ‬محمود‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الأم،‭ ‬مقدّمة‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أدوارها‭ ‬نضجاً،‭ ‬إذ‭ ‬تنقل‭ ‬بتفاصيل‭ ‬دقيقة‭ ‬حالات‭ ‬الحزن‭ ‬والانكسار،‭ ‬دون‭ ‬مبالغة‭ ‬أو‭ ‬افتعال،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الشخصية‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬المتلقي‭.‬

كما‭ ‬يقدّم‭ ‬حليم‭ ‬الدريدي‭ ‬أداءً‭ ‬متماسكاً‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الأب،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يضفي‭ ‬حضور‭ ‬الأمين‭ ‬النهدي‭ ‬بعداً‭ ‬إنسانياً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬العمل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المفاجأة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬الطفل‭ ‬الهادي‭ ‬بن‭ ‬جبورية،‭ ‬الذي‭ ‬يقدّم‭ ‬أداءً‭ ‬عفوياً‭ ‬وعميقاً،‭ ‬يشي‭ ‬بموهبة‭ ‬واعدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬نفسها‭.‬

وقد‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬مجتمعة‭ ‬خلال‭ ‬العرض‭ ‬الاول‭ ‬ضمن‭ ‬فعاليات‭ ‬أيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائية‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬الفارط،‭ ‬حيث‭ ‬تفاعل‭ ‬الجمهور‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬اختلطت‭ ‬فيها‭ ‬الدموع‭ ‬بالصمت،‭ ‬في‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الشحنة‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬الفيلم‭.‬

الملاسينة‭ ‬فضاء‭ ‬درامي‭ ‬حي

وقد‭ ‬اختار‭ ‬المخرج‭ ‬أن‭ ‬تدور‭ ‬أحداث‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الملاسين‭ ‬بالعاصمة،‭ ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اعتباطياً،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬معقد‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء،‭ ‬يرصد‭ ‬العمل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬معاناة‭ ‬الأفراد‭ ‬مع‭ ‬إشكاليات‭ ‬أوسع،‭ ‬مثل‭ ‬الفقر،‭ ‬وتراجع‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية،‭ ‬والهجرة،‭ ‬والبحث‭ ‬اليومي‭ ‬عن‭ ‬مورد‭ ‬رزق‭.‬

الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬خطاباً‭ ‬مباشراً،‭ ‬بل‭ ‬يكتفي‭ ‬بطرح‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشخصيات،‭ ‬تاركاً‭ ‬للمشاهد‭ ‬مساحة‭ ‬التأويل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬بعداً‭ ‬واقعياً‭ ‬وإنسانياً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

وفي‭ ‬تصريحاته،‭ ‬شدد‭ ‬المخرج‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬النهدي‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬الروندة‭ ‬13‭” ‬هو‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فيلم‭ ‬عن‭ “‬صراع‭ ‬البقاء‭”‬،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬خيوط‭ ‬الحب‭ ‬والتضحية‭ ‬داخل‭ ‬قصة‭ ‬موجعة،‭ ‬لكنها‭ ‬صادقة‭. ‬هذا‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الصدق‭ ‬يبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬عناصر‭ ‬العمل،‭ ‬من‭ ‬السيناريو‭ ‬إلى‭ ‬الأداء،‭ ‬مروراً‭ ‬بالتصوير‭ ‬الذي‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬دون‭ ‬تزييف‭.‬

كما‭ ‬حرص‭ ‬المخرج‭ ‬على‭ ‬تكريم‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬احتضن‭ ‬التصوير،‭ ‬موجهاً‭ ‬تحية‭ ‬لأهالي‭ ‬الملاسين،‭ ‬ومهدياً‭ ‬العمل‭ ‬لوالدته‭ ‬الفنانة‭ ‬سعاد‭ ‬محاسن،‭ ‬في‭ ‬لفتة‭ ‬إنسانية‭ ‬تضيف‭ ‬بعداً‭ ‬شخصياً‭ ‬للتجربة‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬القصص‭ ‬اللافتة‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬الفيلم،‭ ‬تجربة‭ ‬اكتشاف‭ ‬الطفل‭ ‬الهادي‭ ‬بن‭ ‬جبورية،‭ ‬الذي‭ ‬التقى‭ ‬بالمخرج‭ ‬صدفة‭ ‬في‭ ‬الحي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إصراره‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬قادته‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬البطولة‭. ‬

قصة‭ ‬تلامس‭ ‬الوجدان

وفي‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬خلفيات‭ ‬العمل،‭ ‬يؤكد‭ ‬المخرج‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬النهدي‭ ‬أن‭ ‬فيلم‭ ‬الروندة‭ ‬13‭ ‬أُنجز‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الصدق،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬أيضاً‭ ‬تكريماً‭ ‬للأطفال‭ ‬المصابين‭ ‬بمرض‭ ‬السرطان،‭ ‬وهي‭ ‬زاوية‭ ‬إنسانية‭ ‬منحت‭ ‬العمل‭ ‬عمقاً‭ ‬إضافياً‭. ‬ويكشف‭ ‬النهدي‭ ‬أن‭ ‬احدى‭  ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬الفيلم،‭ ‬وهو‭ ‬الممرض،‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬حقيقية‭ ‬عاشها،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقد‭ ‬ابنته‭ ‬بسبب‭ ‬هذا‭ ‬المرض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬مشاعر‭ ‬صادقة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة،‭ ‬وجعل‭ ‬القصة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬وجدان‭ ‬المتلقي‭.‬

كما‭ ‬اعتبر‭ ‬المخرج‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬معالجته‭ ‬سينمائياً،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬طُرحت‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬متعددة‭. ‬لذلك،‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬معالجة‭ ‬مختلفة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬سردي‭ ‬خاص،‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬النمطية،‭ ‬ويمنح‭ ‬القصة‭ ‬التراجيدية‭ ‬أبعاداً‭ ‬إنسانية‭ ‬جديدة‭.‬

اجمالا،‭ ‬يقدّم‭ “‬الروندة‭ ‬13‭” ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬متكاملة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬والطرح‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يراوح‭ ‬بين‭ ‬الألم‭ ‬والامل‭ ‬والخيط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الانكسار‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬

‫شاهد أيضًا‬

وزارة السياحة تنطلق في عملية مسح شاملة للنزل ومراقبة الأنشطة السياحية: توجّه نحو تنويع المنتوج السياحي

أعلنت‭ ‬مديرة‭ ‬إدارة‭ ‬الإحاطة‭ ‬بالمنتوج‭ ‬بالديوان‭ ‬الوطني‭ ‬التونسي‭ ‬للسياحة‭ ‬أمال‭…