حين يصبح الأمن الصحي صناعة وطنية
في بلدٍ يكتشف، كل مرة، أن أزماته الكبرى تبدأ من التفاصيل الصغيرة، لم يعد الدواء مجرد منتج صيدلي، بل صار مسألة سيادة. اللقاء الذي جمع وزير الصحة مصطفى الفرجاني مؤخرا بفاعلين في قطاع الصناعات الصيدلية، في سياق بحث التعاون بين شركة تونسية ومجموعة صينية، لا يمكن قراءته كخبر تقني عابر. هو، في جوهره، اعتراف بأن الأمن الدوائي لا يُستورد، بل يُبنى.
الحديث عن تطوير أدوية ذات قيمة علاجية عالية، خاصة الأدوية البيولوجية، ليس ترفاً علمياً. هذه الأدوية، التي تُستخدم في علاج أمراض معقدة مثل السرطان والأمراض المناعية، تمثل اليوم قلب الصناعة الدوائية العالمية. الدخول إلى هذا المجال يعني الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، ولو جزئياً. وهذا التحول، إن تحقق، يمكن أن يعيد رسم موقع تونس في خارطة الصحة.
لكن الطريق إلى هناك ليس قصيراً.
الصناعة الدوائية ليست مجرد مصانع وخطوط إنتاج. هي منظومة كاملة: بحث علمي، نقل تكنولوجيا، تكوين كفاءات، وإطار قانوني يضمن الجودة والسلامة. ما طُرح في اللقاء حول نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الوطنية يلامس جوهر التحدي. فالدول التي نجحت في هذا المجال لم تفعل ذلك عبر الاستيراد، بل عبر التعلم، ثم التوطين، ثم الابتكار.
تونس تمتلك قاعدة يمكن البناء عليها. هناك شركات صيدلية، كفاءات علمية، وخبرة تراكمت عبر سنوات. لكن هذه القاعدة ظلت، إلى حد بعيد، محصورة في إنتاج الأدوية الجنيسة، أو في مجالات محدودة القيمة المضافة. اليوم، يبدو أن هناك محاولة للانتقال إلى مستوى أعلى، حيث تصبح الصناعة الدوائية رافعة اقتصادية، لا مجرد قطاع خدمي.
التعاون مع شركاء دوليين، مثل المجموعة الصينية التي طُرح معها هذا المشروع، يفتح باباً ضرورياً. فالتكنولوجيا في هذا المجال مكلفة، والبحث العلمي يحتاج إلى موارد كبيرة. الشراكة، هنا، ليست خياراً، بل ضرورة. لكنها، في الوقت نفسه، يجب أن تُبنى على أساس واضح: نقل المعرفة، لا فقط نقل الإنتاج.
فالتجارب السابقة في عدة دول أظهرت أن الاكتفاء بجلب المصانع دون امتلاك التكنولوجيا يجعل البلد رهينة. ينتج، لكنه لا يتحكم. يصنّع، لكنه لا يبتكر. وهذا ما يجب تفاديه.
الحديث عن المكملات الغذائية ذات الأساس العلمي، في إطار مقاربة وقائية، يضيف بعداً آخر للنقاش. فالصحة لم تعد تُقاس فقط بالعلاج، بل أيضاً بالوقاية. الاستثمار في هذا المجال يمكن أن يخفف الضغط على المنظومة الصحية، ويخلق في الوقت نفسه سوقاً جديدة ذات إمكانيات نمو كبيرة.
لكن، مرة أخرى، يبقى السؤال: كيف نضمن أن تتحول هذه النوايا إلى واقع؟
الإجابة تبدأ من الداخل. الصناعة الدوائية تحتاج إلى بيئة حاضنة: تشريعات واضحة، إجراءات سريعة، دعم للبحث العلمي، وربط حقيقي بين الجامعة والصناعة. لا يمكن أن نتحدث عن الابتكار في غياب منظومة بحثية نشطة، ولا عن الإنتاج في ظل تعقيدات إدارية تُبطئ كل مشروع.
كما أن الكفاءات، التي تُعتبر أحد أهم أصول تونس، تحتاج إلى أسباب للبقاء. هجرة الأطباء والباحثين ليست مجرد خسارة بشرية، بل هي نزيف للمعرفة. وإذا لم يتم خلق بيئة عمل جاذبة، فإن أي مشروع صناعي سيظل يعاني من نقص في العنصر البشري.
في المقابل، فإن العائد المحتمل كبير.
تطوير الصناعات الدوائية لا يعني فقط توفير الدواء محلياً، بل أيضاً تقليص فاتورة التوريد، وتحسين الميزان التجاري، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة. كما يمكن أن يفتح الباب أمام التصدير، خاصة نحو الأسواق الإفريقية، التي تحتاج إلى أدوية بأسعار معقولة وجودة مضمونة.
تونس، بحكم موقعها، يمكن أن تتحول إلى منصة إقليمية في هذا المجال. ليس فقط لإنتاج الدواء، بل أيضاً لإجراء التجارب السريرية، وتطوير الأبحاث، واستقطاب الاستثمارات. لكن هذا الطموح يظل رهين القدرة على بناء منظومة متكاملة، لا مشاريع متفرقة.
في النهاية، لا يمكن لأي بلد أن يدّعي السيادة وهو عاجز عن تأمين دوائه. الأزمات العالمية، من الجائحة إلى اضطرابات سلاسل التوريد، أثبتت أن الاعتماد المفرط على الخارج يحمل مخاطر حقيقية.
تونس، وهي تتحرك اليوم نحو تطوير صناعاتها الدوائية، تخطو في الاتجاه الصحيح. لكن الاتجاه وحده لا يكفي. المطلوب هو الاستمرار، والتخطيط، والجرأة في اتخاذ القرارات.
فالدواء، في زمن الأزمات، ليس مجرد علاج. هو خط دفاع أول.
ومن يملك هذا الخط، يملك جزءاً من مستقبله.
حين تدخل تونس العصر الرقمي: السيادة تبدأ من امتلاك التقنية
في عالمٍ لم يعد يُقاس فيه النفوذ بعدد الجيوش فقط، بل بسرعة الإنترنت، ولا تُحسم فيه المعارك…
