تُحيي تونس هذه الأيام الذكرى السبعين لانبعاث دبلوماسيتها وتأسيس وزارة الشؤون الخارجية أسابيع قليلة بعد الحصول على الاستقلال في 20 مارس وتحديدا يوم 3 ماي 1956، ومنذ ذلك التاريخ، شكّلت الدبلوماسية التونسية إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة وترسيخ سيادتها في محيط إقليمي ودولي متغيّر وتعرّضت في سياق ذلك إلى العديد من التحدّيات التي أثّرت في لحظات بعينها في أدائها لكن الثوابت ظلّت في مجملها صامدة.
وقد ارتبطت الدبلوماسية التونسية ارتباطا وثيقًا بمعركة استكمال الاستقلال، ولعبت دورًا بارزًا في الدفاع عن القضايا الوطنية في المحافل الدولية، خاصة خلال ما يُعرف بحرب بنزرت وجرائم المستعمر الفرنسي فيها، وقبل ذلك في واقعة ساقية سيدي يوسف يوم اختلطت دماء التونسيين والجزائريين على الحدود المشتركة على يد نفس العدو الغاصب، وأخيرا وليس آخرا معركة الدفاع عن حقّ تونس في المنتظم الأممي والحصول على إدانة أممية للكيان الصهيوني الذي هاجم بلادنا عام 1985 تحت يافطة ملاحقة القيادة الفلسطينية في حمام الشط انذاك.
ولم تكن دبلوماسيتنا صوتا لتونس فقط، بل كانت تعبر عن النبض العربي والحق الفلسطيني وانتظارات القارة السمراء وتطلعات الشعوب التّواقة للسلام والتحرّر الوطني والانعتاق الاجتماعي.
ليس ذلك فحسب، بنت تونس علاقاتها الثنائية على مبدإ الثقة المتبادلة وحضرت بقوّة في التجمعات الإقليمية والجهوية وانخرطت بكل مسؤولية في المنظمات الدولية وكان وجودها إيجابيا في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وجامعة الدول العربية والاتحاد الافريقي ومنظمة الفرنكفونية والمؤتمر الاسلامي وغيرها..
ولم تتأخر تونس في المشاركة في أي عمل هادف إلى تحقيق مصلحة مشتركة أو نصرة لقضية عادلة أو إسناد لشعب يتعرض لمظلمة أو كارثة طبيعية أو صحية مثل ما حصل أثناء جائحة الكوفيد على سبيل المثال عندما أرسلت بلادنا مساعدات الى إحدى الدول الأوروبية المجاورة.
كما كانت تونس حريصة على المشاركة في كل بعثات السلام في العالم في إطار منظمة الأمم المتحدة وتركت الفرق الأمنية والعسكرية التونسية انطباعا جيداً في البلدان التي عملت فيها..
وفي هذا السياق بالذات يمكن القول أن ثوابت الدبلوماسية التونسية بهذا المعنى وهذا الرصيد واضحة، واقعية، وموضوعية إلى أبعد الحدود : احترام سيادة الدول، التعامل في كنف الاحترام المتبادل والندية، رفض كل أشكال التدخل في الشؤون الداخلية، تنويع الشراكات وفق المصالح المشتركة، والانتصار لقيم العدل والحق وفي مقدمتها نصرة القضية الفلسطينية.
والسهر على العمل بهذه الثوابت والوفاء بها يتطلب تعزيز ما يمكن أن نسميها «الماكينة الدبلوماسية» التي تجمع بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ووزارات وهيئات رسمية عديدة في المركز أي في العاصمة التونسية، وشبكة من الممثليات الدبلوماسية في العالم والتي تسهر عليها كفاءات تونسية من سفراء وقناصلة وملحقين وموظفين وأعوان عاديين بوصلتهم الراية الوطنية ووظيفتهم خدمة مصالح العباد والبلاد كما يقال.
ومهم هنا أن نقول أيضا بكل مسؤولية أننا بحاجة الى استكمال سدّ الشغورات في «الماكينة الدبلوماسية» فعديد الوظائف في السفارات والقنصليات ما تزال شاغرة ولا شيء يبرر بقاء الحال على ما هو عليه.
وكم هو جميل هذه الأيام أن تشاركنا عديد الدول بواسطة سفاراتها على أرضنا في الاحتفال بسبعينية دبلوماسيتنا والتي هي أيضا الذكرى 70 لإقامة العلاقات مع أكثر من دولة في العالم بمجرد حصولنا على الاستقلال عام 1956.
ان متانة «الماكينة الدبلوماسية» تستند الى المنجز الوطني وتستقوي بقوة الدولة وتنتعش بالسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي وبالحرية والكرامة التي يتمتع بها التونسيون، وهو ما يعطيها قوّة في مواجهة التدخل الخارجي وكل محاولات المقايضة على السيادة بحجّة المساعدة الاقتصادية أو ذريعة تدريسنا الديمقراطية وحقوق الانسان..!
وبالرجوع الى التجارب المقارنة، حان الوقت في تقديرنا ليسير سفراؤنا في العالم على نهج سفراء الدول الأجنبية ببلادنا وخصوصا أولئك الذين لهم حضور لافت في الشارع التونسي الرسمي والشعبي على حد سواء لخدمة مصالح بلدانهم.
إن الذكرى 70 للدبلوماسية التونسية ليست مجرد احتفال، بل تأكيد على مسار طويل من الدفاع عن السيادة وعن مكانة تونس في المحافل الإقليمية والدولية والانتصار لقضايا الحق في العالم والانخراط الفاعل في الدفاع عنها وعن مصلحة تونس وشعبها.
التحدّيات المادية كبيرة والتّقصير ممنوع.. موسم سياحي واعد في عاصمة السياحة العربية
رغم أن الموسم السياحي في تونس تغيّر كثيرا في السنوات الأخيرة ولم يعد مقتصرا على الصيف، فإن…




