2026-05-06

اختتام الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج: تتويج «وحدي» لوليد الدغسني وأسامة كشكار من تونس بأبرز جوائز الدّورة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

اختتمت‭ ‬مساء‭ ‬الأحد‭ ‬3‭ ‬ماي‭ ‬فعاليات‭ ‬الدورة‭ ‬الثامنة‭ ‬من‭ ‬المهرجان‭ ‬الدولي‭ ‬للمونودراما‭ ‬بقرطاج،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ ‬الفنان‭ ‬فتحي‭ ‬الهداوي،‭ ‬وكرّست‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬هذا‭ ‬الموعد‭ ‬المسرحي‭ ‬كفضاء‭ ‬للتجريب‭ ‬الجمالي‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬فردية‭ ‬عميقة‭ ‬تختبر‭ ‬طاقة‭ ‬الممثل‭ ‬وحدوده‭ ‬القصوى‭ ‬فوق‭ ‬الركح‭. ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬أيام‭ ‬المهرجان،‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬أفريل‭ ‬إلى‭ ‬موعد‭ ‬الاختتام،‭ ‬عاشت‭ ‬العاصمة‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬عروض‭ ‬متنوّعة‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الحسّ‭ ‬المحلي‭ ‬والامتداد‭ ‬العربي‭ ‬والدولي،‭ ‬في‭ ‬تظاهرة‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬طابعها‭ ‬النوعي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬فنّ‭ ‬الممثل‭ ‬الواحد‭ ‬وما‭ ‬يتيحه‭ ‬من‭ ‬رهانات‭ ‬فنية‭ ‬وإنسانية‭ ‬كثيفة‭ .‬

منذ‭ ‬حفل‭ ‬الافتتاح‭ ‬الذي‭ ‬احتضنه‭ ‬مركز‭ ‬إفريقيا‭ ‬للفنون‭ ‬بعرض‭ ‬للفنانة‭ ‬وحيدة‭ ‬الدريدي،‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬أفق‭ ‬المونودراما،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬عبر‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عروض‭ ‬الشارع‭ ‬والمواطنة‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭. ‬فقد‭ ‬خرج‭ ‬المسرح‭ ‬من‭ ‬علبته‭ ‬التقليدية‭ ‬ليخاطب‭ ‬جمهورًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬غير‭ ‬متوقّع،‭ ‬ويضعه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬الفنّ‭ ‬والواقع،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬أعادت‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفكرة‭ ‬المسرح‭ ‬كفعل‭ ‬مدني‭ ‬حيّ،‭ ‬يتغذّى‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬ويعود‭ ‬إليه‭.‬

مشاركة‭ ‬عربية‭ ‬متنوّعة‭ ‬في‭ ‬المسابقة‭ ‬الرّسمية

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية،‭ ‬شهدت‭ ‬الدورة‭ ‬مشاركة‭ ‬أعمال‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬والجزائر‭ ‬وليبيا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تونس،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬زع‭ ‬المعبرس‭ ‬وززعفرانس‭ ‬وزبيّةس‭ ‬وزالسياسي‭ ‬العاشقس،‭ ‬وهي‭ ‬عروض‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬تنوّع‭ ‬المقاربات‭ ‬الدرامية‭ ‬وتعدّد‭ ‬الخلفيات‭ ‬الجمالية،‭ ‬بين‭ ‬نصوص‭ ‬تستلهم‭ ‬الواقع‭ ‬السياسي‭ ‬وأخرى‭ ‬تغوص‭ ‬في‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬أو‭ ‬تستعيد‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭. ‬هذا‭ ‬التنوّع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرّد‭ ‬عرض‭ ‬فسيفسائي،‭ ‬بل‭ ‬أسّس‭ ‬لحوار‭ ‬ضمني‭ ‬بين‭ ‬تجارب‭ ‬تتقاطع‭ ‬في‭ ‬هاجس‭ ‬التعبير‭ ‬الفردي‭ ‬وتختلف‭ ‬في‭ ‬أدواته‭ ‬ورهاناته‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬العرض‭ ‬الذي‭ ‬استأثر‭ ‬باهتمام‭ ‬لافت،‭ ‬وتوّج‭ ‬بعدد‭ ‬هام‭ ‬من‭ ‬الجوائز،‭ ‬كان‭ ‬مسرحية‭ ‬زوحديس‭ ‬للمخرج‭ ‬وليد‭ ‬الدغسني،‭ ‬التي‭ ‬مثّلت‭ ‬لحظة‭ ‬فنية‭ ‬مكثّفة‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭. ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬حرفية‭ ‬الكتابة‭ ‬ودقّة‭ ‬الإخراج‭ ‬وقوة‭ ‬الأداء،‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬الممثل‭ ‬أسامة‭ ‬كشكار‭ ‬طاقة‭ ‬استثنائية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬النصّ‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬شعورية‭ ‬حارقة‭.‬

في‭ ‬زوحديس،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬النصّ‭ ‬بسرد‭ ‬حكاية‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬يشتبك‭ ‬مع‭ ‬مصير‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭. ‬شخصية‭ ‬خريج‭ ‬قسم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬سائقًا‭ ‬لشاحنة‭ ‬نقل‭ ‬بضائع‭ ‬مهرّبة‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬مفارقة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬اختزال‭ ‬درامي‭ ‬لانكسار‭ ‬الحلم‭ ‬الثقافي‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬قاسٍ‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬تتكشّف‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانهيارات‭: ‬علاقة‭ ‬مأزومة‭ ‬مع‭ ‬الأب،‭ ‬حبّ‭ ‬ينتهي‭ ‬بانتحار‭ ‬الحبيبة،‭ ‬وطن‭ ‬يتآكل،‭ ‬وجيل‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬أُفرغ‭ ‬من‭ ‬معناه‭.‬

رؤية‭ ‬اوليد‭ ‬الدغسنيب‭ ‬المخرج‭ ‬والكاتب

تميّزت‭ ‬كتابة‭ ‬وليد‭ ‬الدغسني‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬المزاوجة‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬الاعترافي‭ ‬والتكثيف‭ ‬الشعري،‭ ‬حيث‭ ‬يتحوّل‭ ‬المونولوغ‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬اعتراف‭ ‬قاسية،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬الذكريات‭ ‬بالهلوسات،‭ ‬والواقع‭ ‬بالكوابيس‭. ‬أمّا‭ ‬إخراجيًا،‭ ‬فقد‭ ‬اختار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬الوسائل،‭ ‬معوّلًا‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬الممثل‭ ‬وصوته‭ ‬كأداتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬لبناء‭ ‬الفضاء‭ ‬الدرامي،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬يتماهى‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬المونودراما‭ ‬ويمنح‭ ‬الأداء‭ ‬مركزية‭ ‬مطلقة‭.‬

لكن‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬ظلّ‭ ‬أداء‭ ‬أسامة‭ ‬كشكار،‭ ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬درسًا‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الإيقاع‭ ‬الداخلي‭ ‬للشخصية،‭ ‬وفي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬السلس‭ ‬بين‭ ‬الحالات‭ ‬النفسية‭ ‬المتناقضة‭. ‬لقد‭ ‬بدا‭ ‬الممثل‭ ‬وكأنه‭ ‬يعيش‭ ‬الشخصية‭ ‬لا‭ ‬يؤدّيها،‭ ‬ينهار‭ ‬معها‭ ‬ويقاوم،‭ ‬يسخر‭ ‬ويبكي،‭ ‬في‭ ‬طاقة‭ ‬جسدية‭ ‬وصوتية‭ ‬مذهلة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬العرض‭ ‬تجربة‭ ‬مشحونة‭ ‬بالتوتر‭ ‬والصدق‭. ‬و‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حضوره‭ ‬مجرد‭ ‬تجسيد‭ ‬لدور،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬إعادة‭ ‬خلق‭ ‬لذات‭ ‬مأزومة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬وسط‭ ‬الخراب‭.‬

ولعلّ‭ ‬تتويج‭ ‬زوحديس‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الجوائز،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬جائزة‭ ‬النصّ‭ ‬والتمثيل‭ ‬والدرع‭ ‬الذهبي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬تتويج‭ ‬لمسار‭ ‬عرض‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬استثمار‭ ‬كل‭ ‬عناصره‭ ‬لخلق‭ ‬لحظة‭ ‬مسرحية‭ ‬نادرة‭ . ‬وهو‭ ‬تتويج‭ ‬يعكس‭ ‬أيضًا‭ ‬توجّه‭ ‬المهرجان‭ ‬نحو‭ ‬دعم‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬العمق‭ ‬الإنساني‭ ‬والجرأة‭ ‬الجمالية‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬الخاتمة

لقد‭ ‬أكدت‭ ‬الدورة‭ ‬الثامنة‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬المونودراما‭ ‬بقرطاج‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الفنّ،‭ ‬رغم‭ ‬محدودية‭ ‬وسائله،‭ ‬يظلّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأشكال‭ ‬المسرحية‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬الجوهر‭ ‬الإنساني‭. ‬وبين‭ ‬العروض‭ ‬الرسمية‭ ‬وتجارب‭ ‬الشارع،‭ ‬وبين‭ ‬الأسماء‭ ‬الصاعدة‭ ‬والتجارب‭ ‬المكرّسة،‭ ‬رسمت‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬ملامح‭ ‬مشهد‭ ‬مسرحي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬الفرد،‭ ‬ويعيد‭ ‬مساءلة‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صوت‭ ‬واحد،‭ ‬لكنه‭ ‬صوت‭ ‬محمّل‭ ‬بأصداء‭ ‬جماعية‭ ‬لا‭ ‬تخطئها‭ ‬الأذن‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

«معبد الشعراء» في دورته السادسة: إحتفاءٌ بالذاكرة وتكريسٌ لطقس التكريم الشعري

تتجدّد‭ ‬المواعيد‭ ‬مع‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬مسرح‭ ‬السنديانة‭ ‬من‭ ‬6‭ ‬إلى‭ ‬9‭ ‬ماي‭ ‬2…