اختتام الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج: تتويج «وحدي» لوليد الدغسني وأسامة كشكار من تونس بأبرز جوائز الدّورة
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
اختتمت مساء الأحد 3 ماي فعاليات الدورة الثامنة من المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج، في دورة حملت اسم الفنان فتحي الهداوي، وكرّست مرة أخرى هذا الموعد المسرحي كفضاء للتجريب الجمالي والانفتاح على تجارب فردية عميقة تختبر طاقة الممثل وحدوده القصوى فوق الركح. وعلى امتداد أيام المهرجان، من 30 أفريل إلى موعد الاختتام، عاشت العاصمة على إيقاع عروض متنوّعة جمعت بين الحسّ المحلي والامتداد العربي والدولي، في تظاهرة حافظت على طابعها النوعي القائم على فنّ الممثل الواحد وما يتيحه من رهانات فنية وإنسانية كثيفة .
منذ حفل الافتتاح الذي احتضنه مركز إفريقيا للفنون بعرض للفنانة وحيدة الدريدي، بدا واضحًا أنّ هذه الدورة تسعى إلى توسيع أفق المونودراما، ليس فقط من خلال العروض المسرحية، بل أيضًا عبر الانفتاح على الفضاء العام من خلال عروض الشارع والمواطنة التي شكّلت أحد أبرز ملامح هذه الدورة. فقد خرج المسرح من علبته التقليدية ليخاطب جمهورًا عابرًا، غير متوقّع، ويضعه في مواجهة مباشرة مع أسئلة الفنّ والواقع، في تجربة أعادت الاعتبار لفكرة المسرح كفعل مدني حيّ، يتغذّى من الشارع ويعود إليه.
مشاركة عربية متنوّعة في المسابقة الرّسمية
وعلى مستوى المسابقة الرسمية، شهدت الدورة مشاركة أعمال من فلسطين والجزائر وليبيا إلى جانب تونس، من بينها زع المعبرس وززعفرانس وزبيّةس وزالسياسي العاشقس، وهي عروض كشفت عن تنوّع المقاربات الدرامية وتعدّد الخلفيات الجمالية، بين نصوص تستلهم الواقع السياسي وأخرى تغوص في الأسئلة الوجودية أو تستعيد الذاكرة الجماعية. هذا التنوّع لم يكن مجرّد عرض فسيفسائي، بل أسّس لحوار ضمني بين تجارب تتقاطع في هاجس التعبير الفردي وتختلف في أدواته ورهاناته.
غير أنّ العرض الذي استأثر باهتمام لافت، وتوّج بعدد هام من الجوائز، كان مسرحية زوحديس للمخرج وليد الدغسني، التي مثّلت لحظة فنية مكثّفة داخل هذه الدورة. هذا العمل، الذي جمع بين حرفية الكتابة ودقّة الإخراج وقوة الأداء، وجد في الممثل أسامة كشكار طاقة استثنائية قادرة على حمل النصّ وتحويله إلى تجربة شعورية حارقة.
في زوحديس، لا يكتفي النصّ بسرد حكاية شخصية، بل يشتبك مع مصير جيل كامل. شخصية خريج قسم اللغة العربية الذي يجد نفسه سائقًا لشاحنة نقل بضائع مهرّبة ليست مجرّد مفارقة اجتماعية، بل هي اختزال درامي لانكسار الحلم الثقافي أمام واقع اقتصادي قاسٍ. ومن خلال هذا المسار، تتكشّف سلسلة من الانهيارات: علاقة مأزومة مع الأب، حبّ ينتهي بانتحار الحبيبة، وطن يتآكل، وجيل يشعر بأنه أُفرغ من معناه.
رؤية اوليد الدغسنيب المخرج والكاتب
تميّزت كتابة وليد الدغسني بقدرتها على المزاوجة بين السرد الاعترافي والتكثيف الشعري، حيث يتحوّل المونولوغ إلى مساحة اعتراف قاسية، تتقاطع فيها الذكريات بالهلوسات، والواقع بالكوابيس. أمّا إخراجيًا، فقد اختار الاقتصاد في الوسائل، معوّلًا على جسد الممثل وصوته كأداتين أساسيتين لبناء الفضاء الدرامي، وهو خيار يتماهى مع روح المونودراما ويمنح الأداء مركزية مطلقة.
لكن العنصر الحاسم في هذا العمل ظلّ أداء أسامة كشكار، الذي قدّم درسًا في السيطرة على الإيقاع الداخلي للشخصية، وفي القدرة على الانتقال السلس بين الحالات النفسية المتناقضة. لقد بدا الممثل وكأنه يعيش الشخصية لا يؤدّيها، ينهار معها ويقاوم، يسخر ويبكي، في طاقة جسدية وصوتية مذهلة جعلت من العرض تجربة مشحونة بالتوتر والصدق. و لم يكن حضوره مجرد تجسيد لدور، بل كان إعادة خلق لذات مأزومة تبحث عن معنى وسط الخراب.
ولعلّ تتويج زوحديس بعدد من الجوائز، من بينها جائزة النصّ والتمثيل والدرع الذهبي، لم يكن سوى تتويج لمسار عرض نجح في استثمار كل عناصره لخلق لحظة مسرحية نادرة . وهو تتويج يعكس أيضًا توجّه المهرجان نحو دعم الأعمال التي تراهن على العمق الإنساني والجرأة الجمالية.
على سبيل الخاتمة
لقد أكدت الدورة الثامنة من مهرجان المونودراما بقرطاج أنّ هذا الفنّ، رغم محدودية وسائله، يظلّ من أكثر الأشكال المسرحية قدرة على ملامسة الجوهر الإنساني. وبين العروض الرسمية وتجارب الشارع، وبين الأسماء الصاعدة والتجارب المكرّسة، رسمت هذه الدورة ملامح مشهد مسرحي يبحث عن نفسه في مرآة الفرد، ويعيد مساءلة العالم من خلال صوت واحد، لكنه صوت محمّل بأصداء جماعية لا تخطئها الأذن.
«معبد الشعراء» في دورته السادسة: إحتفاءٌ بالذاكرة وتكريسٌ لطقس التكريم الشعري
تتجدّد المواعيد مع الشعر في فضاء مسرح السنديانة من 6 إلى 9 ماي 2…

