‎جلبت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جمهورية الصين الشعبية يومي 13 و14 ماي الجاري اهتمام العالم وشكّلت المادة الاخبارية الأكثر تداولا في المحامل الإعلامية التقليدية وفي الفضاء الافتراضي بالخصوص، كيف لا والأمر يتعلق بقوتين دوليتين هما في إطار تنافس استراتيجي واسع، والحاجة ملحّة لاحتواء التصعيد الاقتصادي والسياسي بينهما.

‎وخلافا لما ذهبت إليه عديد القراءات، التي أفرط بعضها في التفاؤل وبعضها الآخر في الإحباط والبعض أيضا في المبالغة والتهويل في كل الاتجاهات، يمكن القول أن هذه الزيارة، ورغم الصور الجميلة لحفل الاستقبال واللقاءات بين رئيسي ومسؤولي البلدين، لا ترتقي الى «زيارة مصالحة» كاملة وشاملة بل هي محاولة «مهمّة» لتنظيم الصراع بين بكين وواشنطن ومحاولة إعادة ضبط العلاقة بينهما لمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

‎والنتيجة الأبرز في تقديرنا تخفيف التوتر مؤقتًا والحفاظ على المصالح الاقتصادية وفتح قنوات تفاوض حول الملفات الحساسة مع استمرار التنافس الاستراتيجي خصوصًا في التكنولوجيا والاقتصاد والنفوذ العالمي.

‎لقد تضمّن جدول أعمال الزيارة ملفّات عديدة ولم ترشح عن المداولات بشأنها تفاصيل كثيرة ينتظرها المتابعون، وكل ما تم الإعلان عنه، عبارات منتقاة لا تفسد للود قضية كما يقال، وتهدئة في مجمل ساحات الحروب والمنافسات بين البلدين، سواء الحرب التجارية والرسوم الجمركية أو قضية تايوان والتوازن العسكري في آسيا أو كذلك الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والرقائق الإلكترونية دون أن ننسى الأزمات الدولية وفي مقدمتها إيران وأوكرانيا.

في المحصّلة، لا يمكن الحديث عن «اختراقات تاريخية» حققتها هذه الزيارة، ومن المؤشرات على أن هذه الزيارة لا تمثل تطبيعا كاملا بين القوتين العالميتين، وبأن الحسابات الخاصة لكل واحدة منهما مستمرة، انطلاق أعمال اجتماع وزراء خارجية ما يعرف بدول مجموعة «بريكس» في نيودلهي بالهند، بالتزامن مع الزيارة، لمناقشة مسألة تعزيز التعاون الاقتصادي، وتأمين الطاقة، وحرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

وتضم مجموعة بريكس كما هو معلوم 11 قوة صاعدة مما يعرف كذلك بدول الجنوب.

‎في مقابل ذلك وبالتزامن دائما مع الزيارة، رتبت الإدارة الأمريكية لقاء في واشنطن بين وفد عن الدولة اللبنانية وآخر عن الكيان الصهيوني بغاية ابرام صفقة سلام بينهما وابعاد لبنان نهائيا عن حلفائها في ما يسمى محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية..

‎هو حوار بين «الكبار»، بوصلته تحقيق المصلحة، وطبيعي أن تطغى المصلحة الخاصة على حساب المصلحة المشتركة، وقد سمح هذا الحوار بخفض مستوى التوتر بين الصين وأمريكا وتجميد بعض خطوات التصعيد التجاري المتبادل، خاصة ما يتعلق بالرسوم الجمركية وقيود التصدير.

‎ولأنه حوار بين الكبار أيضا لم يجرؤ دونالد ترامب على الخروج عن واجب اللياقة والانضباط ولم يقترف ما تعوّد فعله امام رؤساء وقادة بقية الدول عندما وقف جنبا الى جنب مع الرئيس الصيني بدرجة جعلت البعض يتحدث عن وجود «كيمياء شخصية» ورمزية بروتوكولية بين دونالد ترامب وشي جينبينغ.

‎إن ما يُسجل بعد هذه الزيارة هو اعتراف أمريكي وإقرار بصعود الصين التي أصبحت قوة لا يمكن احتواؤها بسهولة، ولا مناص لواشنطن سوى التفاوض معها بدل الاكتفاء بسياسة الضغط.

‎والصين في هذه المرحلة تفاوض من موقع أقوى وقد استطاعت انتزاع تنازلات أمريكية وفرضت على الاقتصاد الأمريكي السوق الصينية وبالتالي واهم من يضع بيضه في السلة الأمريكية وواهم أيضا من يعتقد أن التنين الأحمر يوزع الهدايا والصدقات بالمجان.

‫شاهد أيضًا‬

 موسم الحصاد الدراسي تونس تعدّل عقارب ساعتها..

قد نختلف في التفاصيل، لكننا متفقون في الجوهر.. التعليم، كان، ولا يزال، ويجب أن يظل المصعد …