2026-05-19

تراجع‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬بالمائة مقاربات‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭ ‬لمعالجة‭ ‬الملف

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬سميحة‭ ‬الهلالي

تظل‭ ‬البطالة‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬والتي‭ ‬تعود‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬مضت،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمد‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬التاريخي‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬كمشغّل‭ ‬رئيسي،‭ ‬مع‭ ‬ضعف‭ ‬نسبي‭ ‬لدور‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬نوعية‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬قصور‭ ‬التعليم‭ ‬العمومي‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬السوق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬بطالة‭ ‬هيكلية‭ ‬مستمرة،‭ ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬والدخول‭ ‬الكثيف‭ ‬للشباب‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬المتاحة‭.‬

و‭ ‬لمعالجة‭ ‬البطالة‭ ‬إعتمدت‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬شاملة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬و‭ ‬دعم‭ ‬المبادرة‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬والإدماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬لوزارة‭ ‬التشغيل‭ ‬والتكوين‭ ‬المهني‭ ‬ومخطط‭ ‬التنمية2030-2026‭.‬

و‭ ‬تعتمد‭ ‬الحكومة‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬كإطار‭ ‬استراتيجي‭ ‬رئيسي،‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬منهجية‭ ‬تصاعدية‭ ‬جهوية‭ ‬تشارك‭ ‬فيها‭ ‬المجالس‭ ‬المحلية‭ ‬والجهوية‭ ‬بهدف‭ ‬إصلاح‭ ‬منظومة‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭ ‬وربطها‭ ‬باحتياجات‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التشغيل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية‭ ‬والقطاعات‭ ‬الواعدة‭ ‬مثل‭ ‬الخدمات‭ ‬والصناعة‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬استنباط‭ ‬حلول‭ ‬أخرى‭ ‬وذلك‭ ‬بإيجاد‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬التشريعية‭ ‬وخطط‭ ‬التمويل‭ ‬والتشجيع‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬الشركات‭ ‬الأهلية‭ ‬والمبادرة‭ ‬الخاصة‭ ‬كمحرّك‭ ‬للتنمية‭ ‬المحلية‭.‬

وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تعمل‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬واعدة‭ ‬كمنحة‭ ‬البطالة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتكوين‭ ‬والإدماج‭ ‬المهني،‭ ‬حيث‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬وزاري‭ ‬مشترك‭ ‬يتيح‭ ‬للمستفيدين‭ ‬الالتحاق‭ ‬ببرامج‭ ‬تكوين‭ ‬تأهيلي‭ ‬في‭ ‬تخصصات‭ ‬مطلوبة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬بهدف‭ ‬تحسين‭ ‬قابليتهم‭ ‬للتشغيل‭. ‬كما‭ ‬دعم‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬أولوية‭ ‬الانتداب‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬العمومية‭ ‬لمن‭ ‬طالت‭ ‬بطالتهم‭ ‬وحاملي‭ ‬الشهادات‭ ‬العليا،‭ ‬مع‭ ‬تسوية‭ ‬وضعيات‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬القار‭ ‬وإحداث‭ ‬خطط‭ ‬شغل‭ ‬إضافية‭.‬

وفي‭ ‬نفس‭ ‬السياق،‭ ‬تعمل‭ ‬الوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬للتشغيل‭ ‬والعمل‭ ‬المستقل‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬الوساطة‭ ‬والمرافقة،‭ ‬بينما‭ ‬تطور‭ ‬الوكالة‭ ‬التونسية‭ ‬للتكوين‭ ‬المهني‭ ‬منصات‭ ‬تكوينية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬اختصاصات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واعدة‭. ‬ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬جهود‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬كذلك‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬أيضا‭ ‬إسناد‭ ‬قروض‭ ‬بدون‭ ‬فائدة‭ ‬لدعم‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬للفئات‭ ‬الضعيفة‭ ‬وذوي‭ ‬الإعاقة،‭ ‬وبرامج‭ ‬الإدماج‭ ‬الاقتصادي‭.‬

تجدر‭ ‬الملاحظة‭ ‬أن‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬الوطنية‭ ‬للتشغيل‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬المشكلة‭ ‬والعمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬على‭ ‬حلّها‭ ‬والحد‭ ‬منها‭ ‬فإنها‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬وتشجع‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬المبادرة،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬من‭ ‬حوافز‭ ‬وتوفره‭ ‬من‭ ‬سبل‭ ‬تيسير‭ ‬التمويل،‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬والتقليص‭ ‬من‭ ‬التفاوت‭ ‬الجهوي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تغفل‭ ‬إقامة‭ ‬شراكات‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تنقل‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬والتكوين‭ ‬مما‭ ‬يساهم‭ ‬بقسط‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬وجيدة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬الشغل‭.‬

حيث‭ ‬كشفت‭ ‬أحدث‭ ‬تقارير‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للإحصاء‭ ‬ان‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬15‭ %‬خلال‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2026،‭ ‬مقابل‭ ‬15.2‭ % ‬في‭ ‬الثلاثي‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬2025‭. ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ (‬0.2‭ ‬نقطة‭ ‬مائوية‭) ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬تقلبات‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬النسبة‭ ‬15.7‭ % ‬في‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول،‭ ‬ثم‭  %‬15.3‭ ‬في‭ ‬الثاني،‭ ‬وارتفعت‭ ‬إلى‭ %‬15.4‭ ‬في‭ ‬الثالث،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنخفض‭ ‬إلى‭  ‬‭%‬15.2‭ ‬في‭ ‬الرابع‭.‬

ويقدر‭ ‬عدد‭ ‬العاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بحوالي‭ ‬645‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2025،‭ ‬مع‭ ‬توزيع‭ ‬متفاوت‭ ‬حسب‭ ‬الجنسين‭ ‬12.3‭ % ‬لدى‭ ‬الذكور‭ ‬و20.7‭ % ‬لدى‭ ‬الإناث‭ ‬في‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭. ‬أما‭ ‬بطالة‭ ‬الشباب‭ (‬24-15‭ ‬سنة‭)‬،‭ ‬فتبقى‭ ‬مرتفعة‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬تقارب‭ ‬40-38‭ % ‬رغم‭ ‬بعض‭ ‬التحسن‭ ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬الأخيرة‭. ‬كذلك،‭ ‬يعاني‭ ‬حاملو‭ ‬الشهادات‭ ‬العليا‭ ‬من‭ ‬نسب‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬25-22‭ % ,‬مع‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

يقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬النائب‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬فوزي‭ ‬دعاس‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـاالصحافة‭ ‬اليومب‭ ‬ان‭ ‬تراجع‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة‭ ‬يعدّ‭ ‬مؤشرا‭ ‬ايجابيا‭ ‬خاصة‭ ‬وان‭ ‬معضلة‭ ‬البطالة‭ ‬تمثل‭ ‬المشكل‭ ‬الأساسي‭ ‬لاندلاع‭ ‬الثورةب‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬ملامسة‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬المعيش‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطن‭.‬

كما‭ ‬لفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الملفات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالبطالة‭ ‬قد‭ ‬تمت‭ ‬حلحلتها‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬المهن‭ ‬الهامشية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المقاربات‭ ‬الأخيرة‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬مقترح‭ ‬قانون‭ ‬منع‭ ‬المناولة‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬التسويات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تخص‭ ‬ملف‭ ‬انتدابات‭ ‬الأساتذة‭ ‬النواب‭.‬

ويؤكد‭ ‬محدثنا‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬ان‭ ‬مشكل‭ ‬البطالة‭ ‬مازال‭ ‬قائم‭ ‬الذات‭ ‬وفي‭ ‬انتظار‭ ‬النصوص‭ ‬الترتيبية‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بقانون‭ ‬تشغيل‭ ‬من‭ ‬طالت‭ ‬بطالتهم‭ ‬الذي‭ ‬سيساهم‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬نسب‭ ‬البطالة‭ ‬ويعتبر‭ ‬ان‭ ‬ملف‭ ‬التشغيل‭ ‬يمثل‭ ‬أولى‭ ‬الأولويات‭.‬

إجمالا،‭ ‬يُعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ ‬المسجل‭ ‬أخيرا‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مؤشرا‭ ‬جيدا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬وهو‭ ‬يرتبط‭ ‬بتعافٍ‭ ‬نسبي‭ ‬يشمل‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬عموما‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ضمان‭ ‬العمل‭ ‬اللّائق‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الأساسية‭ ‬للسياسة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للدولة‭ :‬ ‭ ‬مراجعات‭ ‬مرتقبة‭ ‬لمجلّة‭ ‬الشغل‭ ‬لتواكب‭ ‬التطورات

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬سميحة‭ ‬الهلالي تسعى‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬نموذج‭ ‬للعمل‭ ‬اللائق‭ ‬ي…