2026-05-20

بمناسبة‭ ‬اختتام‭ ‬تظاهرة‭ ‬بالمسرح‭ ‬أكون‭:‬ حـيـن‭ ‬يـتـحوّل‭ ‬الـركح‭ ‬إلـى‭ ‬مـسـاحـة‭ ‬للشفاء‭ ‬والاعـتراف‭ ‬بالاخــتـلاف

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

في‭ ‬زمن‭ ‬تتعاظم‭ ‬فيه‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬العميقة‭ ‬للفن،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرّد‭ ‬فرجة‭ ‬جمالية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬ممارسة‭ ‬إنسانية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬الذات‭ ‬وإعادة‭ ‬وصل‭ ‬الفرد‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬جاءت‭ ‬تظاهرة‭ ‬ابالمسرحة‭ ‬أكونب‭ ‬التي‭ ‬احتضنتها‭ ‬قاعة‭ ‬المبدعين‭ ‬الشبان‭ ‬بمدينة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشاذلي‭ ‬القليبي‭ ‬من‭ ‬14‭ ‬إلى‭ ‬17‭ ‬ماي‭ ‬2026،‭ ‬لتفتح‭ ‬أفقا‭ ‬مختلفا‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬المسرحي‭ ‬التونسي،‭ ‬أفقا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬المسرح‭ ‬فضاء‭ ‬للاندماج‭ ‬والعلاج‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الهشاشة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬فنا‭ ‬للتمثيل‭ ‬والإنجاز‭ ‬الركحي‭.‬

التظاهرة‭ ‬التي‭ ‬نظمها‭ ‬قطب‭ ‬المسرح‭ ‬والفنون‭ ‬الركحية‭ ‬بمسرح‭ ‬أوبرا‭ ‬تونس‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرّد‭ ‬سلسلة‭ ‬عروض‭ ‬متتالية،‭ ‬بل‭ ‬بدت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬جمالي‭ ‬وإنساني‭ ‬يعلن‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬مقاومة‭ ‬للعزلة،‭ ‬ووسيلة‭ ‬لاستعادة‭ ‬الصوت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬وُضعت‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭. ‬ولهذا‭ ‬اكتسب‭ ‬عنوانها‭ ‬ابالمسرحة‭ ‬أكونب‭ ‬بعدا‭ ‬وجوديا‭ ‬واضحا،‭ ‬إذ‭ ‬يحيل‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬الكينونة‭ ‬والاعتراف‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬العمومي‭.‬

المسرح‭ ‬بوصفه‭ ‬تجربة‭ ‬إدماجية

إن‭ ‬ما‭ ‬ميّز‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬هو‭ ‬طبيعة‭ ‬الأعمال‭ ‬المشاركة‭ ‬والجهات‭ ‬المنتجة‭ ‬لها‭. ‬فالعروض‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬مسرحية‭ ‬تقليدية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬جمعيات‭ ‬تُعنى‭ ‬بذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬أو‭ ‬بالفئات‭ ‬ذات‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخصوصية،‭ ‬مثل‭ ‬جمعية‭ ‬نجوم‭ ‬التحدي‭ ‬لحاملي‭ ‬الإعاقة‭ ‬بقربة،‭ ‬وجمعية‭ ‬مساعدة‭ ‬القاصرين‭ ‬ذهنيا‭ ‬بسوسة،‭ ‬وجمعية‭ ‬أولياء‭ ‬وأحباء‭ ‬الصم‭ ‬بأريانة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬التظاهرة‭ ‬خصوصيتها‭ ‬الأساسية‭: ‬الانتقال‭ ‬بالمسرح‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬العرض‭ ‬الفني‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬الفعل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬العميق‭.‬

وقد‭ ‬افتُتحت‭ ‬التظاهرة‭ ‬بمسرحية‭ ‬الوحةب‭ ‬للمخرجة‭ ‬هدى‭ ‬اللموشي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتواصل‭ ‬البرنامج‭ ‬مع‭ ‬عرض‭ ‬اأحكيليب‭ ‬لكريم‭ ‬خرشوفي،‭ ‬ثم‭ ‬اأنا‭ ‬هكةب‭ ‬للصادق‭ ‬الحجيج،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬عرضي‭ ‬ابصمةب‭ ‬لمحمد‭ ‬العتيري‭ ‬واما‭ ‬لا‭ ‬يقالب‭ ‬لسوار‭ ‬الحجري‭ ‬ولينا‭ ‬قصاص‭ ‬في‭ ‬الاختتام‭. ‬هذه‭ ‬الأعمال،‭ ‬ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬أساليب‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬وتجاربها،‭ ‬التقت‭ ‬جميعها‭ ‬عند‭ ‬فكرة‭ ‬مركزية‭: ‬المسرح‭ ‬باعتباره‭ ‬إمكانا‭ ‬للقول‭ ‬حين‭ ‬تعجز‭ ‬اللغة‭ ‬اليومية‭ ‬عن‭ ‬الإفصاح‭.‬

في‭ ‬عرض‭ ‬اما‭ ‬لا‭ ‬يقالب‭ ‬مثلا،‭ ‬بدا‭ ‬الركح‭ ‬مساحة‭ ‬لتعويض‭ ‬الصمت‭ ‬المفروض‭ ‬على‭ ‬فئة‭ ‬الصمّ‭ ‬بلغة‭ ‬جسدية‭ ‬وإيقاع‭ ‬بصري‭ ‬كثيف،‭ ‬بينما‭ ‬اشتغلت‭ ‬اأحكيليب‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التجربة‭ ‬الحياتية‭ ‬لذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬الحركية‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬فنية‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬الشفقة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الخلق‭ ‬والإبداع‭. ‬أما‭ ‬اأنا‭ ‬هكةب‭ ‬فقد‭ ‬حملت‭ ‬عنوانا‭ ‬دالا‭ ‬على‭ ‬المصالحة‭ ‬مع‭ ‬الذات‭ ‬والاختلاف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بدت‭ ‬ابصمةب‭ ‬وكأنها‭ ‬تأكيد‭ ‬رمزي‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬أثره‭ ‬داخل‭ ‬العالم

نحو‭ ‬أفق‭ ‬جديد‭ ‬للمسرح‭ ‬التونسي

تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬أعادت‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭ ‬يتعلق‭ ‬بوظيفة‭ ‬المسرح‭ ‬اليوم‭. ‬فبعد‭ ‬عقود‭ ‬ظل‭ ‬فيها‭ ‬النقاش‭ ‬النقدي‭ ‬محصورا‭ ‬غالبا‭ ‬بين‭ ‬الجمالي‭ ‬والسياسي،‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬قادر‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬أدوار‭ ‬علاجية‭ ‬وتربوية‭ ‬وإدماجية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬قيمته‭ ‬الفنية‭.‬

واللافت‭ ‬أن‭ ‬العروض‭ ‬المشاركة‭ ‬لم‭ ‬تسقط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الخطاب‭ ‬الوعظي‭ ‬أو‭ ‬الاستعراضي،‭ ‬بل‭ ‬حاولت‭ ‬ـ‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬ـ‭ ‬إنتاج‭ ‬لغة‭ ‬ركحية‭ ‬تستثمر‭ ‬الجسد‭ ‬والإيقاع‭ ‬والصورة‭ ‬والذاكرة‭ ‬الشخصية،‭ ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬التجربة‭ ‬أكثر‭ ‬قربا‭ ‬من‭ ‬الحساسية‭ ‬الإنسانية‭ ‬المعاصرة‭.‬

لقد‭ ‬نجحت‭ ‬ابالمسرحة‭ ‬أكونب‭ ‬في‭ ‬دورتها‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬انتباه‭ ‬نقدي‭ ‬حقيقي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنها‭ ‬منحت‭ ‬الخشبة‭ ‬لمن‭ ‬اعتادوا‭ ‬البقاء‭ ‬خارج‭ ‬الضوء،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬ذكّرت‭ ‬أيضا‭ ‬بأن‭ ‬المسرح،‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬العميق،‭ ‬فعل‭ ‬وجود‭ ‬ومقاومة‭ ‬وشفاء‭. ‬وربما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬بالتحديد‭ ‬تكمن‭ ‬طرافتها‭ ‬وفرادتها‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي‭: ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الركح‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬للتمثيل‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬للاعتراف‭ ‬بالإنسان‭ ‬في‭ ‬هشاشته‭ ‬وقوته‭ ‬معا‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بعد‭ ‬المصادقة‭ ‬البرلمانية‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬ بين‭ ‬مكسب‭ ‬التشريع‭ ‬ومخاوف‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬الإبداع

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي لم‭ ‬تمرّ‭ ‬المصادقة‭ ‬البرلمانية‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬الفنا…